خُبْزُ أُمّي

د. أشرف سالم
أحِنُّ إلى خُبزِ أُمّي .. وقَهوةِ أُمّي .. ولَمْسةِ أُمي.
كان خُبز أُمّ “محمود درويش” جديرًا بأن يُخلدَهُ بشعرٍ جاوز حدود المكان والزمان؛ وأن يتغنى به “مارسيل خليفة” فيبلغُ آفاق العالمية.
فأُمّ “محمود درويش” هي تلك السيدة البسيطة التي وصفها درويشٌ آخر هو “سيد درويش” بأهزوجته الشعبية الذائعة الرائعة “الحلوة دي قامت تعجن في البدرية”، فعندما كانت خيوط الفجر تنبلج مخترقةً غسق الليل في تلك القرية الصغيرة على سفح الجليل الفلسطيني (وغيره من سفوح جبالنا العربية)،
كانت تلك “الحلوة” تسبق أسرتها الكبيرة في الاستيقاظ؛ لتبادر بعجن الطحين الذي جرشته بنفسها على رحىً قـُدت من حجارة نفس الجبل، ومن غلالٍ زرعت في نفس الوادي الخصيب وبمياهٍ نقية صافية انبجست من عيون الجبل؛ كانت تعجنُ في وعاءٍ فخاريّ من طين الأرض وصلصالها.
ثم تترك عجينها ليختمر وتبدأ مهمة جمع الحطب المتساقط من أغصان أشجار الزيتون وأعواد البيلسان؛ وهذا الحطب الرطِبُ بندى الشتاء الفلسطيني إذا أُوقِدَ عليه أنبتَ رائحةً كالبخور؛ تخالط ما يوضع عليه من عجينٍ مختمر؛ لينتجَ خُبزًا عاطرًا كالعنبر طازجًا دافئًا؛ يوضع أمام محمود درويش وإخوانه وأخواته ليفطروا به قبل الذهاب للمدرسة؛ مُحاطًا بأطباق زيت الزيتون والدبس والقشطة والزبدة ودقة الزعتر؛ كلها من انتاج البيئة المحيطة، فإذا عادوا من المدرسة وجدوا غداءهم جاهزًا وقد صُنع في نفس التنور؛ من منتجاتٍ طازجة أنتجتها نفس الطبيعة السخية.
ثم دار الزمانُ دورته فهجرنا الطبيعة الخضراء واستوطنَّا مدنًا اسمنتية؛ ليس فيها ديكٌ يؤذن في الفجرية؛ ولا حلوةٌ تعجنُ في البدرية، فالحلوة خرجت للمدرسة؛ ثم للجامعة ثم لسوق العمل؛ وخبزها صار يأتيها في أكياس من البلاستيك؛ تشابه الأكياس التي تحمل لها اللحوم المبردة والخضروات المجمدة؛ يزاحمُها في الخزانة والثلاجة عبوات الأطعمة المعلبة وقوارير الزيوت المهدرجة وعُلب الألبان المجففة والصلصات الجاهزة.
لم تعد مطابخنا تقبل أن يكون فيها كانون فحم أو تنور حطب؛ بعد أن حلت محلها مواقد الكيروسين؛ ثم الغاز ثم الأفران الكهربائية ثم الميكروويف، صناعات هائلة ومشاريع رابحة ومنتجاتٌ رائجة ضمها اقتصادٌ كامل هائل؛ نشأ بهدف تسهيل وتسريع مهمة الطبخ على ربات البيوت؛ ومن قبله هدفٌ أكبر هو السعي للمساهمة في تلبية الاحتياجات الغذائية المهولة للزيادات السكانية المتنامية.
لم يتوفر لأمي ولأم محمود درويش (رحمهم الله جميعًا) معشار ما يتاح للطاهية المعاصرة؛ سواء من حيث كثرة وتوفر الخامات؛ أو ابتكار عدد كبير وأشكال عجيبة متطورة من أدوات المطبخ والأجهزة المنزلية؛ وفوق ذلك عشرات؛ بل مئات البرامج التليفزيونية والكتب المطبوعة عن فنون ووصفات الطهي؛ فضلاً عن آلاف مقاطع اليوتيوب، ورغم ذلك فإن أكثر المشاريع الاقتصادية انتشارًا وازدهارًا وتوسعًا وتناميًا هي المطاعم و(الديلفري).
ورغم أن عدد وجباتنا التقليدية كان محدودًا وكانت طريقة طهيها بسيطة ومذاقُها كلاسيكيًّا، ولكنا مازلنا كلما ذكرناها نقول: “طعامُ الزمن الجميل”؛ وما زال كلٌ منا مهما أُتيح له من الطعام الحديث الباذخ؛ يُغمضُ عينيه متمتمًا ….
” أحِنُّ إلى خُبزِ أُمّي”.



