نقاش ثري لرواية (قصتي الحقيقية) لـ(خوان خوسيه) في بيت السرد بالدمام

الاتجاه – مريم الحسن:
ناقش أدباء ومثقفون رواية (قصتي الحقيقية) للروائي (خوان خوسيه مياس) مساء الثلاثاء ٢٣ يوليو ٢٠٢٤ ضمن أنشطة نادي بيت السرد بالدمام، في بيت الثقافة . بحضور أعضاء البيت.
بدأ النقاش بمقدمة من الأستاذ كاظم مأمون وتلخيص للرواية والتعريف بالروائي اخوان خوسيه مياس ككاتب روائي وقاصّ أسباني. من مواليد فالنسيا في أسبانيا عام 1946. عاش في مدينة مدريد ويعمل في الصحافة.
درس خوان الفلسفة والآداب في جامعة كوم بلوتس، وهو أحد كتاب مايسمى بجيل 68، ويشير هذا المسمى إلى أهم كتاب الأدب الأسباني المعاصر مثل إنريكيبيلا ماتاس وخابيير مارياس. نشرت أولى أعماله الروائية في عام 1974 بعنوان (العقل هو الظلال)، ومن أشهر أعماله (امرأتان في براغ)،
و(هي تتخيل)، (الأشياء تنادينا)، (هكذا كانت الوحدة)، ونال على الأخيرة جائزة نادال الإسبانية في عام 1990. كما فاز بعدد من الجوائز الأخرى مثل بلانيتا وجائزة الدولة ،وجائزة سيسامو، وترجمت أعماله لأكثر من 23 لغة حول العالم. وتحدث بإيجاز الأستاذ كاظم عن الرواية والراوي.

بعد ذلك قدمت الكاتبة ليلى ربيع ورقتها موضحة فيها أن (قصتي الحقيقية) أنا أكتب لأن أبي يقرأ، معادلات معكوسة الواقع والخيال، الشفقة والحب، الهروب من مسرح الجريمة للإختناق بنفسِ زائد ، الأبله الذي يحمي نفسهِ من الفخ .
أزمة نفسية تجعله يتبول وآخرى تجعل منه نموذجاً طبيعاً مختبئ وراء وجه محايد ، من يبلل الملاءات بمن يرتب السرير.
إن كان لك شيٌ يُحكى فهو يستحق الكتابة حتى وإن غابت الموهبة.
الجريمة والعقاب كان القتل فيها من أجل أن يحيا ، وهنا الكتابة لأن لديه مايُقال ، قانون ألا مبالاة تجعل من البراءة إجراماً ليلفت الانتباه ( لوكان قدقرأني ….) كان يتمنى إن ينال إعجاب والده القارئ كثيرررررراً ولكنه لم يقرأ له.
ومن ثم شرعت الأستاذة الهام الجعفر الشمري بطرح ورقتها التي جاءت بعنوان: رواية قصتي الحقيقية لخوان خوسيه مياس ( أنا أكتب لأن أبي كان يقرأ)
هذه أول جملة تشي بالعمق في هذه الرواية الرائعة فكل سطر فيها يغوص في أعماق البطل بطريقة استثنائية ، وتشعر وأنت تقرأها وكأنك تتفاعل مع كل لحظة إحباط او نشوة أو حزن بنفس تمايلها في نفس بطل الرواية .
الرواية ليست سرداً عاديا فهي خلاصة حكم مروية عن علاقة الإبن بابيه والأبن بأمه وكيف تركت التربية الممسوسة بالعقد النفسية لدى كلا الوالدين على نفسية هذا الشاب المراهق أثرها فأحرقت بعضاً من ثقته بنفسه وبالعالم من حوله .
لك أن تغوص عزيزي القارئ في هذه الرواية التي لم تفضي روحها إلى العقد النفسية الكامنة والعلاقات فقط بين أبطالها بل إلى الشقوق الاجتماعية والاقتصادية ومافيها من وهن وفساد ولن تكتفي من جمالها . هي من الروايات رغم عدد صفحاتها النحيفة إلى أنها بدسامة كتاب من 600 صفحة.
وفي ذكر بعض التفاصيل التي تتعلق بمحطات الرواية تحدثت الكاتبة سهى الحسن بقولها:
كاتبنا الذكي والفطن يكتب ليقرأ أبيه
أستخدم أسلوب الراوي المباشر لجميع الشخوص بالرواية . وأختار أسماء روايات بالرواية تتناسب مضمون الرواية القليلة بأوراقها والعميقة بمعانيها وتحاكي العلاقات الأجتماعية ومنها الأسرة وأهمية هرم ماسلو للحاجات وأشباعها بطرق متوازنه .

من جانبه تحدث الأستاذ عادل جاد حول التناص في النص السردي قائلا: إن التناص هو الحضور الفعلي لنص أخر كما يعرفه الناقد الفرنسي ” جيرار جنينيت” ويضيف بأنه تجاوز نصي للنص ويشمل كل ما يجعل النص في علاقة ظاهرة أو خفية مع نصوص آخري . وذلك يشكل حالة إحالة كاملة بكل دلالاتها .
وهذا هو المحور الظاهر الذي سوف اتناوله في هذه القراءة ، حيث التناص مع نصين ذكرهما بطل العمل في أكثر من موضع بالعمل ، وهما رواية الأبله ورواية الجريمة والعقاب للكاتب “ديستوفيسكي” وهما روايتان شاركتا في تأسيس الحداثة في الرواية العالمية، وأيضا تكوين ذائقة أدبية مغايرة . في رواية الأبله نلمح شعور البطل “ميشكين” ذو الأصول العريقة وهو يعاني من شعور بالضألة وعدم التقدير وأنه مجرد من المواهب ، وهو هنا مشترك في الشعور مع بطل رواية هذه قصتي الذي يشاركه نفس الشعور من نظرة ابيه المتدنية له ، الذي يقول عنه ابوه انه شخص عادي ! .والشاب هنا يكتب مقابل الأب الذي يقرأ ، وهو يعاني مشاكل التبول اللا إرادي الليلي .
وفي تناص مع رواية الجريمة والعقاب ، حيث راسكولينكوف الشاب الذكي الذي قتل المرابية العجوز ، ولكن الاختلاف مع بطل خوان خوسيه ، أن جريمة راسكولينكوف مدبرة ومخططة ولها مبرر أن العالم يتخلص من طفيليات لكي يتقدم ، ولكن جريمة بطل هذه قصتي تمت بالمصادفة نتيجة سقوط بلية من الجسر لكي تتسبب في حادث مروري لسيارة وسقوط السائق وزوجته وابنه وإصابة الأبنة “ايريني” . والجريمة في رواية “الجريمة والعقاب” لها خلفية اجتماعية من فقر مدقع ونسيج اجتماعي ضاغط ، ولكن الجريمة في رواية “هذه قصتي” ليس لها تلك الخلفية الاجتماعية
وأخيرا شكل هذا التناص محورا هاما في الرواية، وكان حضورهما ليس اعتباطي ولكنه بدا من نسيج العمل ذاته وبشكل لا يمكن إغفاله .والرواية يمكن تناولها بالتأويل من زوايا ورؤى متعددة.
الكاتبة طاهرة آل سيف قدمت رؤيتها النقدية، وقالت :
غرائبية خوان خوسيه مياس إن الفن الذي بوسعه أن ينظر في عمق الواقع ويستخرج منه المعاني ثم يقوم بتكبيره أو حتى المبالغة فيه؛ في سبيل إيصال الفكرة، إنما هو فن يلفت انتباهنا إلى كل ما نعتقد أنه مألوفاً أو عادياً لنراه بصورة غير مألوفة ولاعادية.
غير أن الأفكار في خيالاتنا لاتخضع لواقعية العقل البشري، مما يجعلنا في حالة شك لكل مايرد بذهننا في لحظات خاطفة من التفكير أو التأمل، والتي غالباً ماينتهي بنا الأمر إلى طردها. ونلحظ في هذه الرواية (قصتي الحقيقية) وغيرها من أعمال الكاتب إذا مانظرنا لها بشمولية، أنها أعمال انطلقت من تأثر الإنسان الحديث بأزمة العصر وهي العزلة أو الوحدة القاتلة، نراه مشغولاً بإخراج قصصه من تأملات غرائبية، تأملات انسان هارباً من العالم المحيط وصخبه، إلى عالمٍ يصدق الخيالات مثل فضاءاته السردية ( خزانة ملابس قديمة، علبة حذاء، هوس الأسماء والكلمات، قطعة بلية(كرة زجاجية صغيرة)، عشيق متخيل)، أبطاله يتصفون بالهلاوس والإضطرابات والوحدة والطفل الداخلي المحبوس، من يقرأ هذه الأوصاف قد تبدو له أنها مناطق سردية عشوائية أوعفوية تم توطئتها لتكون مفتاحاً لقصةٍ ما، لكن سرعان ماسيكتشف أنها مدروسة بدقة فضلاً عن العناية بكل ماهو غير خادم للمشهد، تبدو الجمل والكلمات مختارة تلامس الحقيقة تماماً، كما الإسقاطات على المشكلات النفسية والإجتماعية والإقتصادية والسياسية وكثير من الفلسفة التي لاتعرف حدًا كلما أوغل القارىء ودقق في حوارات وبناء الرواية، رواية قصيرة كما رواياته أغلبها في حدود المائة وخمسون قل أو كثر، لكنها مدججة عميقة وبخيط تشويق لايرتخي.
ودار النقاش في جو من التفاعل والمتعة اللا محدودة والإنسجام الكامل بين الأعضاء والعضوات في مناقشة قضايا الرواية من النواحي الفنية والرقمية والإنطباعية ،
وقد أتاح مدير الجلسة الأستاذ كاظم مأمون مجال المداخلات خلال اللقاء .. إضافة لما تمت مناقشته من أوراق ، فكان لذلك أكبر الأثر في توسيع المدارك وإثراء الفكر وتبادل وجهات النظر..



