مقالات

من الذاكرة (1) طلال مداح وتاكسي الفايدي

طلال حسين قستي

للأديب الكبير طه حسين رحمه الله مقولة موحية ذكرها في كتابه الشهير “الأيام” أنقلها بتصرف، وهي: “إن ذاكرة الإنسان غريبة حين تحاول استعراض حوادث الأيام، فهي تتمثل بعض هذه الحوادث واضحًا جليًّا كأن لم يمض بينها وبينه من الوقت شيئًا، ثم يمَّحِي منها بعضها الآخر كأن لم يكن بينها وبينه عهدًا”.

وهذا حالي مع بعض الذكريات والمواقف التي مررت بها، فبعض الذكريات تُنسى، ما لم أكن قد سجلتها في مقال أو جاءت في كتاب يحفظ هذه المواقف أو الذكريات، فأستعيدها حتى ولو بعد ما يقارب نصف قرن.

من هذه المواقف لقائي مع الفنان طلال مداح والصحفي الأستاذ محمد مسلم الفايدي -رحمهما الله- على قارعة الطريق، وقد ذكرها الأديب الصحفي الأستاذ عبد الله جفري الذي توفي في مثل هذه الأيام عام 1429هـ / 2008م في كتابه “مشواري على البلاط” الذي نشر في سلسلة كتب الأثنينية، التي كان يصدرها رجل الأعمال والثقافة الأستاذ عبد المقصود خوجه -رحمه الله- وقد ذكرها الجفري نقلاً عن رسالة جاءته من الأستاذ الفايدي، الذي كان صحفياً ميدانياً ماهراً، وما زلت أذكر أحد تحقيقاته الشهيرة عن عالم التسول والمتسولين، وقد اندس وسطهم وتعرف على تفاصيل هذا العالم، ونقله في تحقيقه.

أما الموقف الذي جمعني به، واستعادته ذاكرتي بالصدفة عندما كنت أطالع أرشيف مكتبة الأثنينة وفيها كتاب الجفري رحمه الله، ما جاء في رسالته عندما كان يعمل على تاكسي في أحد فترات بعده عن الصحافة، يقول الفايدي:” كنت سائق التاكسي الوحيد الذي يحمل داخل سيارته صحف الصباح، ليقرأها الزبائن خلال مشوارهم، وكنت سعيداً بنقل المشاهير من الأدباء والصحافيين والفنانين أمثال عبد القدوس الأنصاري وطاهر زمخشري، الذي أسعدني في أحد المشاوير بإهدائي أحد كتبه.

والفنان الكبير طلال مداح، عندما اختطفته بسيارة التاكسي من مطار جدة القديم، وكنت سعيداً بذلك وأنا أدردش معه في الطريق إلى منزله الكائن بطريق مكة عن حفل أقامه في القاهرة، وكان عائداً من هناك، لكن الذي أفسد عليَ متعة المشوار هو طلال قستي، الذي رآه بالصدفة فاستغرب عند الإشارة بأن هذا الفنان الكبير يركب سيارة تاكسي، وطلب أن أتوقف على جنب، وقد ظننته يريد شيئاً غير أن ينتزع مني الفنان الكبير ونقله إلى سيارته، ومن يومها أخذت من طلال قستي موقفاً ولكنه موقف المحب”.

كانت عبارات الفايدي مصباحاً أضاء أحد أركان الذاكرة، فاستدعى ذكريات ومواقف كثيرة جمعتني مع أدباء ومثقفين وفنانين سعوديين وعرب خلال مسيرتي الصحفية والوظيفية، وشجعني على أن أسجلها بإذن الله في سلسلة مقالات تتناول هذه الذكريات والمواقف.

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com