مقالات

الرواية التي تُبرّر العمر

مرفت أبو العينين

لا يمكن للكاتب أن يكتب رواية “كثيرة الحياة” في كل مرة.

لأن الحياة نفسها، بكل ما فيها من فوضى وغموض، لا تمنحنا تلك الشرارة مرارًا. تُراها تخشى أن نحترق مرتين؟، أم أن الاحتراق ذاته لا يُستعاد؟

إنها لحظة نادرة، لا تأتي حين نطلبها، ولا حين نُهيّئ لها الطقوس. لحظة تتشكّل من تصادف دقيق بين الشعور، والنضج، والصدق، والزمان. كأن كل شظايا العمر تتواطأ فجأة كي تضيء، لا أكثر ولا أقل.

مرة واحدة فقط،

نكتب فيها كأننا نُنزف لا نُبدع، كأننا لم نعش كل تلك التجارب إلا كي نصوغها جملةً متماسكة، فهل كنّا نكتب منذ البداية… أم كنّا فقط نتهيّأ لتلك اللحظة؟

ثم يأتي مَن يسأل، بخفة عجيبة: “ومتى الرواية القادمة؟” كأن “كثيرة الحياة” تُقطف من شجرة موسمية!

هل يعتقدون أن الكتابة وصفة؟ نضيف شعورًا، ثم نرشّ عليه شيئًا من الإلهام؟!

غابرييل غارسيا ماركيز لم يكتب الحياة فحسب، بل كتب سحرها. روايته “مئة عام من العزلة” لم تكن نصًا أدبيًا عظيمًا فحسب، بل ولادة قرية كاملة – ماكوندو – من رحم الخيال. كتب قبلها أعمالًا جيّدة، وبعدها نصوصًا مهمة، لكن هذه الرواية وحدها جعلت العالم يهمس باسمه بكل اللغات.

 وقد قال ماركيز إنّه استهلك أربعين سنة من المراقبة والدهشة ليكتبها، ثم كتبها في ثمانية عشر شهرًا فقط، وهو يعيش على الحافة – ماديًا وعاطفيًا.

فمن قال إن الرواية تُكتب في لحظة صفاء؟، ومن أوهمهم أن الدهشة تُلبّي مواعيد التسليم؟، وهل الكاتب ماكينة روايات؟، فقط أضف قهوة… وانتظر النصّ؟

لا. الكاتب قد يُولد مرة واحدة فقط، عبر رواية واحدة فقط، تكون “كثيرة الحياة” بما يكفي لتهزّ الأرض من تحت أقدام قرّائها… ثم تكفيه.

تكفيه تمامًا.

 فإن كتبناها… فـنِعْم الشرارة. وإن لم نكتبها بعد؟، فلن نكفّ عن المحاولة، كأننا نحاول أن نُبرّر العمر كله… بحكاية واحدة فقط.

………..

   mervat_abu_alenain@

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com