لوثة «تيك توك»
التعليمات والنصائح السطحية التي يطلقها بعض الأشخاص عبر «تيك توك» قد تصل إلى أعماق الإنسان البسيط والطيب، الذي لا يزال يؤمن بالأسرة والمجتمع والألفة، فيتلقاها أحيانًا وكأنها حقائق أو خلاصات نهائية للحياة، دون أن يسأل: من صاحب هذه النصيحة؟ وما تجربته؟ وما الظروف التي صنعت رأيه؟
قد يكون من يقدم النصيحة شخصًا يعيش عزلة اجتماعية، أو مرّ بتجربة أسرية قاسية، ثم يحوّل تجربته الشخصية إلى قاعدة عامة تصلح للجميع. وقد نجد من يوجّه النساء إلى ضرورة التفرد بالحياة، والانشغال بالمستقبل المستقل والصحة والمتعة الشخصية، متناسيًا أن الإنسان لا يعيش وحده، وأن بناء الأسرة والحياة المشتركة يقوم كذلك على المسؤولية والتضحية والتوازن والتكامل بين الحقوق والواجبات.
انطلقت علينا موجة من مقاطع التنظير، حتى أصبح يستشهد بها الكبير والصغير، والمتعلم وغير المتعلم، وكأن ما يقال فيها حقائق اجتماعية ونفسية ثابتة. والحقيقة أن كثيرًا منها لا يتجاوز تجارب وآراء شخصية لأناس لا نعرفهم، ولا نعرف ظروفهم، ولا أبسط تفاصيل حياتهم، ولم نتحقق من مؤهلاتهم أو سلوكهم أو قدرتهم أصلًا على تقديم المشورة للآخرين.
المشكلة ليست في «تيك توك» بوصفه منصة، ولا في الدعوة إلى الاستقلال أو الاهتمام بالنفس؛ فلكل إنسان حق في أن يحفظ كرامته وصحته ومستقبله. المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه المعاني إلى دعوات مبطنة للأنانية، والهروب من المسؤولية، وقطيعة الأسرة، والانحياز المطلق إلى الذات، وكأن كل علاقة عبء، وكل تضحية ضعف، وكل صبر تنازل، وكل اختلاف سبب كافٍ للرحيل.
وفي المقابل، قليلًا ما تتصدر المشهد المقاطع التي تتحدث عن الصلة، والصبر، والتسامح، والعطاء، والوفاء، والنبل، والإصلاح بين الناس، وتحمل المسؤولية. وهي قيم لا تعني إلغاء الذات أو قبول الظلم، وإنما تعني أن الإنسان جزء من أسرة ومجتمع، وأن الحياة لا تستقيم بالحقوق الفردية وحدها، كما لا تستقيم بالتضحية الدائمة بحقوق الفرد.
إن أخطر ما في هذه المقاطع ليس مجرد سطحيتها، بل قدرتها على تحويل التجربة الشخصية إلى حكمة عامة، والرأي إلى حقيقة، والانفعال العابر إلى منهج للحياة.
ولعل ما نحتاج إليه اليوم ليس مزيدًا من النصائح السريعة، بل مزيدًا من الوعي بمن نسمع له، ولماذا نصدقه، وهل ما يقوله يصلح فعلًا لحياتنا وظروفنا، أم أنه مجرد مقطع لا يتجاوز عمره دقيقة، بينما قد يمتد أثره في حياة الإنسان سنوات.
مقال : فواز المالحي



