د. الراجح صديق المحتاجين وسيد الجود

بقلم : ماجد ضيف الله الشريف
في محافظة تربه وبين نخيلها ومزارعها التي تُنبت العلم والفضل، وُلد الدكتور راشد بن الراجح الشريف (يرحمه الله)، الرجل الذي جمع بين الوقار الأكاديمي والتواضع السامي، ليغادرنا قبل أيام بعد رحلة طويلة أثرى خلالها المشهد الفكري والتعليمي والإنساني في المملكة العربية السعودية. لم يكن الشيخ الراحل مجرد مسؤول يتقلد المناصب، بل كان مربياً فاضلاً وسنداً حقيقياً لكل من قصده، وكان مجلسه عامراً ومفتوحاً للكبير والصغير دون تمييز أو حاجز، وأذكر في إحدى اللقاءات التي جمعتني به كيف كان يستمع لكل سائِل بإنصات عميق وابتسامة لا تفارق محياه، حريصاً على تقديم النصيحة وتلبية الحاجة بإخلاص يندر نظيره، وهي خصلة طالما شهد بها كل من عمل معه أو تتلمذ على يديه.
وتتجلى عظمة الراحل في أنه كان بحق صديق المحتاجين وسيد الجود والعطاء؛ إذ امتدت أياديه البيضاء ومبادراته الإنسانية لدعم الأسر المتعففة والمحتاجين في تربة ومكة المكرمة وخارجها، يقدم المساعدات الخاصة في الخفاء ويقضي حوائج مجتمعه بعيداً عن أضواء الإعلام ورياء الشهرة، حريصاً على كرامة الناس وسدّ ثغرات العوز لكل من قصده في طلب أو استعانة.
ونحن أشراف تربة لا ننسى هذا الفضل، ولا ننسى المكانة الرفيعة والعلاقة المتينة التي كانت تربط هذا الرمز الوطني بالأسرة المالكة وقادة بلادنا؛ حيث حظي بتقدير كبير تمثّل في زيارات أصحاب السمو الملكي الأمراء من أبناء الملك المؤسس رحمه الله، فضلاً عن الزيارات الكريمة التي كان يخصّه بها سيدي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز حفظه الله كلما سمح وقته، مما يعكس منزلته العالية لدى ولاة الأمر.
وفي المسار الأكاديمي والوطني، كان عالماً حفظ جدارته العلمية وحصل على الدكتوراه في الشريعة واللغة العربية دون أن يستعرض بعلمه، بل وظّف حصيلته لبناء الأجيال وترسيخ قيم الفكر الوسطي، كما شهدت جامعة أم القرى تحت إدارته تطوراً نوعياً في برامجها وبنيتها التحتية، إلى جانب بصماته الجليلة في مجلس الشورى ونائبيّة مجلس أمناء مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني لبناء جسور التواصل ونشر ثقافة التسامح.
إن الفقد أليم، وغياب الدكتور راشد يترك في نفوسنا وفي وجدان كل من عرفه فجوةً لا يُرممها إلا جميل ما أودع في هذا الوجود؛ فقد غاب الجسد لكن الأثر ظل شاخصاً شواهدَ برّ وإحسان. طاب مرقدك يا من طاب ذِكرك، وجعل الله كل ما مددته في الخفاء نوراً يضيء لك في ظلمات القبر، وأفسح لك في جنات النعيم منازل الصديقين والشهداء؛ فرحمة الله عليك ورضوانه، وإنا على فراقك لمحزونون.



