سمو الأمير محمد بن سلمان … الرؤية والتحول

بقلم : عبدالله آل سالم القحطاني
alamhar@hotmail.com
في قلب الجزيرة العربية تقف السعودية؛ دولة مترامية الأطراف، تتسع أرضها من الخليج إلى البحر الأحمر، وتحتضن في جغرافيتها تاريخًا وثقلًا دينيًا وسياسيًا واقتصاديًا يتجاوز حدودها. وهي، بما تملكه من مكانة في العالمين العربي والإسلامي، وثقل في الإقليم، وتأثير في أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي، ليست دولة عادية في حسابات الحاضر والمستقبل. ولذلك فإن السؤال عن مستقبل السعودية لم يكن يومًا سؤالًا داخليًا فحسب، بل كان سؤالًا يمتد صداه إلى ما حولها وإلى العالم.
كانت السعودية تعرف أنها تملك ثروة كبيرة تحت أرضها، وكانت تعرف في الوقت نفسه أن الثروة، مهما عظمت، لا ينبغي أن تكون الإجابة الوحيدة عن سؤال المستقبل.
كان النفط نعمة كبرى قامت عليها نهضة المملكة الحديثة. ومن عائداته شُيدت المدن، وامتدت الطرق، وبُنيت المدارس والجامعات والمستشفيات، وتغير وجه الحياة في البلاد. لكنه جعل الاقتصاد، في الوقت نفسه، شديد التأثر بما يحدث في أسواق الطاقة وأسعارها. ومع اتساع التجربة ونضجها، بدأت تتشكل قناعة أكثر وضوحًا: أن تستفيد المملكة من ثروتها النفطية، ولكنها لا تجعل مستقبلها مرهونًا بها وحدها.
لم تنتظر السعودية أن ينفد النفط حتى تبحث عن اقتصاد جديد، بل بدأت البحث عن اقتصاد جديد وهي ما تزال تملك واحدًا من أكبر مصادر الطاقة في العالم.
ومن هنا يمكن فهم التحول الذي ارتبط باسم الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء؛ تحول لم ينظر إلى ما تملكه المملكة اليوم باعتباره نهاية الطريق، وإنما باعتباره قاعدة يمكن الانطلاق منها إلى مستقبل أوسع.
في 25 أبريل 2016 أُعلنت رؤية السعودية 2030، ولم تكن مجرد خطة اقتصادية تبحث عن أرقام جديدة، بل كانت تصورًا أوسع لمستقبل البلاد: مجتمعًا حيويًا، واقتصادًا مزدهرًا، ووطنًا طموحًا.
وكان الأمير محمد بن سلمان، صاحب هذه الرؤية، يدرك أن الرؤية مهما اتسعت لا تصنع المستقبل وحدها؛ فكان حرصه أن تنتقل من طموح مكتوب إلى عمل قائم، بما يقتضيه ذلك من إعادة ترتيب الأولويات، ورفع كفاءة الأداء، ومراجعة الأنظمة، وتمكين الكفاءات، وقياس النتائج ومساءلة المقصر. فلم يكن المطلوب أن تبقى الرؤية وعدًا للمستقبل، بل أن يصبح المستقبل مشروع عمل يبدأ من اليوم. لكن الرؤى، مهما كانت كبيرة، تبقى كلمات على الورق إذا لم تجد طريقها إلى الواقع.
ولهذا جاء برنامج التحول الوطني في يونيو من العام نفسه، ليكون أحد البرامج التنفيذية الرئيسية لرؤية 2030. كان دوره أن يأخذ الأهداف الكبرى من فضاء الرؤية إلى أرض العمل؛ إلى مبادرات ومشروعات ومؤشرات ومسؤوليات، وإلى حكومة أكثر كفاءة، وخدمات أكثر سهولة، وتحول رقمي، وبيئة أكثر تمكينًا للقطاع الخاص، وبنية تحتية وقدرات تستطيع أن تحمل هذا التحول.
وكان لا بد أن تتحول الفكرة إلى أرقام، والأرقام إلى مسؤوليات، والمسؤوليات إلى نتائج.
وهنا يأتي عام 2020 في مكانه الصحيح. فقد كانت المرحلة الأولى من برنامج التحول الوطني تمتد من 2016 إلى 2020، ثم بدأت المرحلة الثانية من 2021 إلى 2025. ولم يكن المقصود أن تصبح السعودية «مستقلة عن النفط» في عام 2020، وإنما أن تكون قد قطعت مرحلة مهمة في طريق بناء اقتصاد أكثر تنوعًا، ودولة أكثر كفاءة، وقطاعات جديدة تستطيع أن تنمو إلى جوار الاقتصاد النفطي. فالقصة لم تكن قصة التخلص من النفط، وإنما قصة التخلص من فكرة أن النفط وحده يكفي لصناعة المستقبل.
ومع مرور السنوات، لم تعد التحولات مجرد عناوين في وثائق رسمية. بدأت تظهر في تفاصيل الحياة نفسها؛ في حكومة تنتقل بخطى واسعة إلى الخدمات الرقمية، وفي بيئة أعمال تتغير، وفي قطاعات لم تكن حاضرة بهذا الحجم من قبل، من السياحة والثقافة والترفيه والرياضة إلى التقنية والصناعة والخدمات اللوجستية.
وفي عام 2025، بلغ الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للأنشطة غير النفطية 892 مليار دولار، مقارنة بنحو 598 مليار دولار عند بداية قياس المؤشر، فيما كان المستهدف لذلك العام 904 مليارات دولار. كما وصلت مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي إلى 51 في المائة، متجاوزة مستهدف 2025 البالغ 47 في المائة.
الأرقام هنا لا تحكي القصة كلها، لكنها تشير إلى اتجاهها: اقتصاد كان يبحث عن مساحات جديدة للنمو، وبدأ يجدها.
وفي قلب هذا المسار جاء صندوق الاستثمارات العامة أداة رئيسية للاستثمار في قطاعات جديدة، وتأسيس شركات ومشروعات، واستقطاب الاستثمارات، وبناء قيمة اقتصادية داخل المملكة وخارجها. وهكذا بدأ السؤال يتغير بهدوء: لم يعد فقط كيف ننفق ما لدينا، وإنما كيف نستثمر ما لدينا لنصنع ما نحتاج إليه غدًا؟
حتى السياحة، التي لم تكن في الوعي الاقتصادي السعودي قبل سنوات قليلة قطاعًا رئيسيًا، أصبحت اليوم جزءًا واضحًا من المشهد. ووفق بيانات وزارة السياحة لعام 2025، بلغ عدد السياح المحليين والوافدين نحو 122.6 مليونًا، منهم 93.3 مليون سائح محلي و29.3 مليون سائح وافد، وهو رقم يعكس الزيارات والرحلات السياحية المحلية خلال العام، وليس بالضرورة عدد أشخاص مختلفين، إذ يمكن للسائح الواحد أن يقوم بأكثر من رحلة، فيما بلغ إجمالي الإنفاق السياحي 303.7 مليار ريال.
لكن الأرقام، مهما كبرت، لا تستطيع وحدها أن تقول لنا ماذا يعني التحول. فالمعنى الحقيقي يبدأ عندما يصل أثره إلى الإنسان؛ عندما تصبح الخدمة الحكومية التي كانت تحتاج وقتًا وجهدًا متاحة من هاتف، وعندما يجد الشاب أبوابًا جديدة لم تكن مفتوحة أمام جيله من قبل، وعندما تتسع أمام المرأة فرص العمل والمشاركة، وعندما تصبح الثقافة والسياحة والرياضة والترفيه جزءًا من الاقتصاد والحياة، لا مجرد عناوين عابرة.
عندها فقط يتحول الرقم إلى حياة، والمشروع إلى تجربة، والخطة إلى شيء يمكن للناس أن يلمسوه. ولعل هذا هو الاختبار الحقيقي لأي رؤية وطنية: ليس كم مشروعًا أُعلن، ولا كم رقمًا كُتب في تقرير، وإنما كم حياة استطاعت أن تغير.
لقد بدأت السعودية هذه الرحلة وهي تدرك أن النفط سيبقى ثروة مهمة، لكنها أدركت في الوقت نفسه أن أعظم ثرواتها ليست ما تحت الأرض وحده، وإنما الإنسان الذي يعيش فوقها، والعقل الذي يستطيع أن يحول الموارد إلى فرص، والفرص إلى اقتصاد، والاقتصاد إلى مستقبل.
وربما كانت هذه هي الحكاية الأعمق لرؤية 2030 وبرنامج التحول الوطني: أن التحول لا يبدأ عندما ينفد النفط، وإنما يبدأ حين تكون لديك القدرة على أن تنظر إلى المستقبل قبل أن يفرض نفسه عليك. ولهذا لم تنتظر السعودية المستقبل حتى يأتي إليها. لقد قررت أن تذهب إليه. وفي تاريخ الأمم، قد تكون هذه هي اللحظة التي يبقى أثرها أطول من كل الأرقام؛ لحظة قررت فيها دولة أن تنظر إلى نفسها لا كما كانت، ولا كما هي، وإنما كما يمكن أو يجب أن تكون.



