وطن عظيم يكبر ومعه ذاكرته

بخيت طالع الزهراني
في ذكرى يومنا الوطني السعودي السادس والتسعين، أشعر أن وطني العظيم يمضي في بناء مستقبله بتجربة مميزة، ويسير بجناحين متوازيين: جناحٌ يبني المستقبل، وآخر يصون الذاكرة.
ولعلي في هذه السطور آتي على زاوية رؤية لم تُطرق كثيرًا.
فأقول:
حين يكبر الوطن، لا تكبر مدنه ومشروعاته فحسب، بل تكبر أيضًا مسؤوليته تجاه ذاكرته.
وفي اليوم الوطني، ونحن نتأمل ما قطعته المملكة خلال نحو عشرة عقود، وهي مدة قصيرة في عمر الدول والحضارات، تبدو المسافة بين الأمس واليوم هائلة. غير أن أجمل ما في هذا التحول أن المملكة لم تنظر إلى ماضيها بوصفه شيئًا ينبغي تجاوزه، بل باعتباره جزءًا من المستقبل.
ولعل الدرعية هي المثال الأوضح على ذلك….
فإعادة تأهيلها لا تعني المحافظة على مبانٍ قديمة وحسب؛ فالدرعية في ذاكرة أبناء هذا الوطن ليست مجرد العاصمة الأولى للدولة السعودية، وإنما هي النواة الأولى للدولة الوطنية التي انطلقت منها لاحقًا مسيرة الوحدة والبناء.
ومن الجميل أن تمتد هذه الرؤية إلى تفاصيل الذاكرة الأصغر؛ إلى مشروع الأمير محمد بن سلمان لتطوير المساجد التاريخية، الذي أُطلق عام 2018، ويشمل ترميم وتطوير عشرات المساجد التاريخية في مختلف مناطق المملكة، مع الحفاظ على خصائصها العمرانية والتراثية.
ومن هذه المساجد مسجد الحوزة في عسير، ومسجد الصفا في بلجرشي بمنطقة الباحة، ومسجد جواثا في الأحساء، الذي ارتبط بمرحلة مبكرة من تاريخ الإسلام في الجزيرة العربية.
وتمتد الرؤية كذلك إلى مشاريع وزارة الثقافة في تأهيل الأحياء التاريخية والقرى التراثية وإحيائها، وإعادة تقديمها للناس بوصفها أماكن حيّة، لا أطلالًا ساكنة؛ ومن ذلك مشروع إعادة إحياء جدة التاريخية، ومشروعات تأهيل التراث العمراني في وسط الرياض، بما تضمه من قصور ومبانٍ طينية وتاريخية.
وهنا يصبح الماضي شريكًا في صناعة المستقبل.
فالوطن الذي يملك ذاكرة حية، لا يخشى الحداثة؛ لأنه يعرف أن التقدم لا يعني محو الأمس، وإنما أن يمنحه مكانًا جديدًا في الحياة.
في اليوم الوطني السادس والتسعين، تبدو هذه المعادلة واضحة: وطن يمضي إلى المستقبل بثقة، وفي الوقت نفسه يمد يده إلى ذاكرته، فيعيد تأهيل أماكنها، ويحفظ معالمها، ويمنحها حياة جديدة.
ذلك هو الوطن العظيم: وطن يكبر، ومعه تكبر ذاكرته.



