صحافة جيدة بقليل من المال

بخيت طالع الزهراني
كنت أتصفح منصة «X»، حين قادتني الصدفة إلى موقع الشرق بلومبيرغ الرياضية. توقفت لأقرأ خبرًا، فوجدتني أنتقل من خبر إلى آخر. توقفت عند العناوين، وتأملت الصور، وأعجبتني طريقة تقديم المعلومة. لم تكن أخبارًا رياضية فحسب، بل عملًا صحفيًا تشعر أن وراءه مهنية عالية.
أغلقت الموقع، لكن سؤالًا بقي يدور في رأسي: لماذا تستوقفنا بعض المواد الصحفية، بينما نمر على عشرات الأخبار دون أن نتذكر منها شيئًا؟
سألت نفسي: كيف أطور أنا وغيري قدراتنا صحفيًا؟ حتى في ظل إمكاناتنا المالية المحدودة؟
قلتُ: إن البداية لا تكون بالمال الضخم وحده، بل بطريقة التفكير في الصحافة نفسها، بوصفها صناعةً تشهد تنافسًا يتطلب تطوير أدواتنا بحرفية عالية، تواكب المتغيرات في هذه الحرفة.
ثم قلت لنفسي: إن عليّ، كصحفي، أن أقرأ كيف يكتب الآخرون الخبر: عنوانه، وبدايته، ومتنِه، ونهايته، وأن أهتم بمصداقيته، ثم أسأل نفسي: ما مدى حاجة الناس إليه؟ فهناك أخبار عامة روتينية لا تهم الكثيرين، وهناك أخبار حين تُنشر يقول القارئ: يا سلام…
هذا هو الخبر الذي كنت أبحث عنه!
من المهم أن أعرف أن القارئ يملّ العموميات، ويراها أخبارًا معلبة ناقصة الدسم. مثلًا: «اجتمع المدير العام، وناقش مع مديري الفروع موافقة الوزارة على إنشاء شبكات طرق في شرق المنطقة وغربها، وتحسين مداخل عدد من القرى». مثل هذا الخبر لا يقدم ولا يؤخر.
نجاحي كصحفي أن أقترب من المسؤول، وأنشر خبرًا منفردًا: كم يبلغ طول كل “وصلة” طرق جديدة؟ وأين تقع؟ وما نقطة بدايتها ونهايتها؟ وما مداخل القرى المستهدفة، ما أسماؤها؟ ومتى يبدأ التنفيذ؟… هنا تكون الضربة…
ويكون الخبر الذي يرفع أسهمي وأسهم صحيفتي، ويبقى في الذاكرة.
وأظن أنه ليس مطلوبًا أن أنشر كل يوم، أو حتى كل أسبوع، خبرًا بهذا الجمال وهذه التفاصيل؛ فهذا أمر معروف، لكنني حين أرى الفرصة سانحة، أقتنصها.
لكن هناك معضلة: هل يوافق المسؤول، أو المدير العام، على منحي الفرصة للحصول منه على هذه التفاصيل التي ستجعل خبري مادة صحفية لافتة؟
مثال آخر: إذا فاز فريق بمباراة، فليس كافيًا أن نكتب النتيجة وأسماء المسجلين، كل ذلك رآه الجمهور في التلفاز…. “الحرفنة” تكمن في الأسئلة التي يمكن أن نطرحها: كيف فاز؟ وأين خسر منافسه؟ وما الذي غيّره المدرب؟ هنا يتحول الخبر من معلومة يعرفها الجميع إلى مادة تضيف شيئًا للقارئ، وتشعره بأنه أمام صحفي مختلف.
أما العنوان، فقصة أخرى من قصص المهنية الحقة…
فهناك عناوين طويلة تحمل الخبر بكامله، فيقرأها الناس، ثم لا يحتاجون إلى النقر لفتح الخبر. تلك عناوين تبدو بشعة، وتدل على فقر مهني واضح. ولذلك، فإن العنوان الصحفي، كما قلت، قصة أخرى؛ فبدلًا من أن يكون تقريريًا، يمكن أن يكون فكريًا.
مثلًا، بدلًا من عنوان: «مدير التعليم يجتمع بمديري المدارس ويؤكد على البداية الجادة من الحصة الأولى»، (12 كلمة)… يمكن أن نكتب: «مدير التعليم للمديرين: التحدي أن نصنع جيلًا واعيًا» (8 كلمات). أي إننا اختصرنا العنوان أولا، وهذا مهم، لكن الأهم أن كلا العنوانين قالهما مدير التعليم؛ غير أن صحفيًا اختار الأول، وآخر اختار الثاني ذي البعد الفكري.
مثل هذه التفاصيل الصغيرة المهمة متاحة ومقدور عليها، حتى وإن كانت الصحيفة لا تملك ميزانية مثل المؤسسات الكبرى. بمعنى أن أعمل وأتحرك بذكاء ومهنية في حدود المتاح؛ إذ ليس مطلوبًا مني أن أفعل كل شيء، بل أن أحسن اختيار ما أفعله.
ومثال آخر: قد لا أستطيع إرسال مراسل إلى كل مكان، لكنني أستطيع أن أكون الأقرب إلى المجتمع، والأعرف بتفاصيله، والأقدر على الوصول إلى مصادري بعلاقاتي الشخصية، بحيث أحصل على تفاصيل أجمل حتى والحدث يبعد عني مئات الكيلومترات.
أنا هنا لا أنكر الحقيقة …..
ولا أقول إن الموهبة تعوّض المال كله
فهناك تحقيقات صحفية تحتاج إلى وقت، ومراسلون يحتاجون إلى سفر، وتقنيات تحتاج إلى استثمار. لكن قلة المال لا تعني بالضرورة قلة الجودة، ولا تعني أن أقف مكتوف اليدين.
كما أن وفرة المال أيضًا لا تضمن الجودة.
قبل أن ننشر مادة صحفية، علينا أن نسأل أنفسنا بصدق: ما الذي سنضيفه للقارئ؟ علينا أن نراجع قبل التسليم: هل قلنا ما نريد بأفضل طريقة؟ وأن نتذكر أن القارئ لا ينتظر منا مجرد خبر والسلام، بل ينتظر سببًا يجعله يختارنا من بين عشرات المصادر.
وأخيرًا، أقول…
الصحافة الجيدة لا تحتاج بالضرورة إلى غرفة أخبار فاخرة أو كاميرا باهظة الثمن، بل تحتاج أولًا إلى صحفي لا يرضى بالصياغة الأولى، ولا يكتفي بالنسخ واللصق، ولا بنشر الأخبار المعلّبة القادمة إليه من العلاقات العامة؛ بل يحتاج إلى تقديم مادة صحفية مختلفة، تحمل اسم الصحيفة …. وسمعتها … وترسّخ هويتها لدى الناس.


