نحو تعزيز خدمات الإعاشة لضيوف الرحمن

(*) طلال حسين قستي
تضع رؤية المملكة 2030 خدمة ضيوف الرحمن في صميم أولوياتها، ويستهدف برنامج خدمة ضيوف الرحمن – أحد أهم برامج الرؤية التنفيذية – تيسير استضافة 30 مليون معتمر من خارج المملكة، وتقديم تجربة إيمانية وخدمية تليق بمكانة المملكة.
وقد خطت وزارة الحج والعمرة خطوة مهمة، حين جعلت من “الإعاشة والتغذية” محوراً رئيسياً في مؤتمر ومعرض الحج السنوي، وأطلقت مبادرة “تحدي الإعاشة” لتحفيز الابتكار في جودة وسلامة غذاء الحجاج والمعتمرين وفق المعايير العالمية.
وهنا يبرز السؤال الاستراتيجي: هل منظومة الإعاشة الحالية قادرة على مواكبة هذا الطموح الوطني الكبير؟! الواقع أن خدمات الإعاشة لا تزال تقدم بشكل موسمي ومجزأ، عبر مطابخ موردين محدودي القدرات، يعملون لأسابيع محدودة في مواسم الحج، ثم تتوقف المنظومة. خدمات تفتقر في كثير من الأحيان لمعايير السلامة الغذائية المستدامة والجودة الراقية، التي تليق بضيوف بيت الله الحرام .
إن استضافة 30 مليون أو 100 مليون معتمر من الداخل والخارج على مدار العام، تتطلب أكثر من مجرد مطابخ موسمية، بل صناعة وطنية للإعاشة. وكيان وطني ضخم يعمل 365 يوماً، ويكون حاصلا على شهادات سلامة الغذاء العالمية ( ISO 2200 ) وتراخيص الهيئة العامة للغذاء والدواء، ومراقبة مباشرة لضمان الجودة والسلامة، وبطاقة إنتاجية تقدر بملايين الوجبات الآمنة، والمعلبة، والمجمدة، التي تلبي احتياجات الحجاج والمعتمرين أينما تواجدوا، سواء في مكة المكرمة أو المشاعر المقدسة أو المدينة المنورة، والطريق البري بينهما.
مثل هذا المشروع الضخم هو أكبر من قدرة الشركات الصغيرة والمتوسطة، فهو مشروع سيادي بامتياز، ومن هنا وكمحب لوطني، وعلى ضوء مشاركتي في خدمة حجاج بيت الله الحرام في عقود ماضية، أطرح مقترح تبنى جهة سيادية مثل صندوق الاستثمارات العامة، أو إحدى شركاته الرائدة في قطاعات الضيافة والأغذية، أن تقوم بإنشاء شركة وطنية لإعاشة ضيوف الرحمن، وآمل أن يتوسع الصندوق ليمتد عمله للأنشطة المرتبطة بخدمة ضيوف الرحمن في كافة المجالات، لتكون رافداً اقتصادياً مستداماً، يسهم في الصورة المشرفة لكرم الضيافة السعودية.
إن لغة الأرقام مشجعة للغاية على تنفيذ هذا المقترح، فقد استقبلت المملكة أكثر من 19,5 مليون معتمر وحاج من خارج المملكة في عام 2025، منهم 18 مليون معتمر بزيادة (114%) عن عام 2022، وفي الربع الأخير من عام 2025 أدى العمرة 11,3 مليون معتمر.
وما زلنا نتحدث بلغة الأرقام، ففي موسم حج عام 2022 وحده، تم تقديم 15 مليون وجبة في المشاعر، عبر 185 شركة إعاشة، وتشير تقديرات سابقة إلى استهلاك 18 مليون عبوة ألبان صغيرة، و90 مليون عبوة أجبان، خلال نفس الموسم، بقيمة اجمالية للاستهلاك الغذائي للحجاج، تجاوزت 1,8 مليار ريال (وفقاً لدراسات معهد خادم الحرمين لأبحاث الحج والعمرة).
إن استضافة 30 مليون معتمر من الخارج، وفق رؤية المملكة 2030، تتطلب – من وجهة نظري- وجود صناعة وطنية للإعاشة يضمها كيان وطني ضخم يعمل 365 يوماً، بمواصفات عالمية يضمن الأمن الغذائي لضيوف الرحمن، ويقلل من الهدر، ويرفع جودة المنتجات.
أما لماذا المطالبة بمثل هذا المشروع، فأجيب: إن الخدمات الحالية في هذا المجال، لا تزال موسمية ومجزأة، تعمل لأسابيع معدودة ثم تتوقف، واستضافة 30 مليون معتمر من الخارج، و4 ملايين حاج، تتطلب وجود صناعة وطنية للإعاشة تعمل على مدار العام، وفق معايير محددة للجودة والسلامة، وسوف يوفر أيضاً وظائف مستدامة لشبابنا، كما أن مثل هذا المشروع ينسجم مع مفهوم الأمن الغذائي الذي أقرته المملكة.
هذا وبالله التوفيق،،،
……………
(*) رئيس تحرير مجلة الحج والعمرة سابقا



