مقالات

رسائل “ريلكه”.. وصفة وجودية قديمة، لكنها لا تزال تشبهنا

بقلم: هيفاء علي نورالدين (*)

ليست كل الكتب التي نقرأها تمرّ عبر أعيننا إلى ذاكرتنا؛ بعضها يسلك طريقًا أكثر غموضًا، فيجلس إلى جوارنا دون استئذان، ويبدأ بطرح الأسئلة التي كنا نؤجلها منذ سنوات. هناك كتب لا تمنحنا إجابات بقدر ما تجعلنا نكتشف أن أسئلتنا القديمة لم تكن سخيفة، وأن ما حسبناه ارتباكًا شخصيًا ربما كان جزءًا من التجربة الإنسانية التي نتقاسمها مع غرباء لم نلتقِ بهم قط.

من هذا النوع كتاب (رسائل إلى شاعر شاب) للشاعر النمساوي راينر ماريا ريلكه، الذي نُشرت رسائله بعد وفاته عام 1929. وهو ليس كتابًا بالمعنى التقليدي الذي نألفه؛ لا حبكة تتصاعد، ولا شخصيات تتحرك نحو نهاية محددة، بل رسائل كتبها شاعر ……….إلى شاب يسأله عن الكتابة ومستقبله الأدبي، فإذا بالحوار يتسع ليصبح تأملًا طويلًا في الحياة والعزلة والحب والنضج والقدرة على احتمال الأسئلة.

ما يلفت الانتباه في هذا الكتاب أن ريلكه لا يتعامل مع الشاب بوصفه تلميذًا ينتظر وصفة جاهزة للنجاح، ولا يمنحه تلك النصائح السريعة التي نحب سماعها حين نشعر بالضياع. إنه يعيده، مرة بعد أخرى، إلى الداخل؛ إلى المنطقة التي لا يستطيع أحد أن يعيشها نيابة عنا.

وحين يسأل الشاب عن قيمة قصائده، لا ينشغل ريلكه بالحكم عليها بقدر انشغاله بالسؤال الأعمق: هل الكتابة ضرورة في حياتك؟ هل تستطيع أن تعيش دونها؟

وهنا تحديدًا تتجاوز الرسائل حدود الأدب إلى سؤال الوجود نفسه. فكم من الأشياء نمارسها لأننا نحبها حقًا، وكم منها نفعلها لأننا نريد اعتراف الآخرين بها؟ كم حلمًا كان يمكن أن ينمو لو لم نعرضه مبكرًا على لجان التقييم الاجتماعية، وكم موهبة أُجهضت لأنها لم تحصل على التصفيق في الوقت المناسب؟

إن ريلكه، في جوهر رسائله يدافع عن حق التجربة الإنسانية في أن تنضج بعيدًا عن الاستعجال. لا يطلب من الإنسان أن يهرب من العالم، لكنه يذكّره بأن الضجيج ليس دليلًا على الامتلاء، وأن كثرة العلاقات لا تعني بالضرورة أننا أقل وحدة.

ولعل أكثر ما يستوقفني في الكتاب حديثه عن العزلة. ليست العزلة هنا عقوبة أو انسحابًا من الحياة، بل مساحة يستعيد فيها المرء صوته الخاص، بعدما اعتاد طويلًا سماع أصوات الآخرين وهي تخبره بما ينبغي أن يكون عليه.

نحن نعيش في زمن يُساء فيه فهم الصمت. من يختار الابتعاد يُسأل عما حدث له، ومن لا يشارك تفاصيل يومه يُتهم بالغموض، ومن يفضّل أمسية هادئة على مناسبة صاخبة يحتاج أحيانًا إلى اختراع عذر مقنع. كأن الإنسان مطالب بإثبات اجتماعي دائم على أنه بخير، وأنه لم يخرج عن النسخة المعتمدة من الحياة.

لكن ماذا لو كانت بعض المسافات ضرورة وليست خصومة؟ وماذا لو احتاج الإنسان إلى الابتعاد قليلًا كي يسمع نفسه دون تشويش؟

في رسائل ريلكه، لا تبدو الوحدة فراغًا ينبغي ملؤه بأي شخص، بل تجربة قد تكشف لنا ما لم نكن نراه في ازدحام الآخرين. وهذا لا يعني تمجيد الألم أو تحويل العزلة إلى فضيلة مطلقة، وإنما الاعتراف بأن داخل الإنسان حياة كاملة لا تستطيع العلاقات الخارجية أن تحل محلها.

أما الحب، فيتناوله ريلكه من زاوية مختلفة عن تلك الصورة الرومانسية التي اعتدنا استهلاكها. إنه لا يراه مجرد رغبة في امتلاك الآخر أو الهروب من الوحدة إليه، بل علاقة بين شخصين يحتفظ كل منهما بوجوده واستقلاله. فكرة تبدو بسيطة، لكنها تصطدم بكثير من العلاقات التي نخلط فيها الحب بالخوف، والقرب بالسيطرة، والاهتمام بالمراقبة.

وكم من علاقة استهلكت أصحابها لأن أحدهما أراد أن يكون العالم كله للآخر، بدل أن يكون شخصًا يشاركه العالم.

ما يجعل هذا الكتاب قابلًا للقراءة بعد مرور كل هذه السنوات ليس أنه يقدم حلولًا نهائية، بل أنه يحترم تعقيد الإنسان. لا يطالبه بأن يكون سعيدًا طوال الوقت، ولا يتعامل مع الحيرة باعتبارها عيبًا، ولا يقيس النضج بعدد الإجابات التي نملكها.

ربما لهذا تبدو بعض رسائله قريبة من قارئ اليوم، رغم اختلاف الزمن واللغة والظروف. فالإنسان الذي كان يبحث عن ذاته في بداية القرن العشرين لم يختلف كثيرًا عن إنسان اليوم، الذي يملك وسائل اتصال لا حصر لها، لكنه لا يزال عاجزًا أحيانًا عن العثور على شخص يستطيع أن يصغي إليه دون أن يقاطعه بنصيحة.

لقد تغيرت الرسائل الورقية إلى شاشات مضيئة، وتبدلت طرق التواصل، لكن الأسئلة بقيت في أماكنها: هل أعيش الحياة التي أريدها؟ هل اخترت طريقي أم اعتدت السير فيه؟ هل أكتب لأن لدي ما أقوله، أم لأنني أخشى أن أمرّ دون أن يلاحظني أحد؟

ولعل أجمل ما يمكن أن يخرج به القارئ من هذه التجربة هو أن الحياة لا تُفهم دفعة واحدة، وأن بعض الأسئلة تحتاج إلى أن نصاحبها طويلًا بدل أن نتعجل التخلص منها. فليس كل تأخر فشلًا، وليس كل غموض ضياعًا، وليس كل ما لم يكتمل في أعين الآخرين ناقصًا بالضرورة.

أغلقت الكتاب، لكنني لم أشعر أنني انتهيت منه. ثمة كتب تنتهي عند الصفحة الأخيرة، وثمة كتب تترك صفحاتها مفتوحة في داخلنا. وهذا واحد منها.

فقد لا نحتاج دائمًا إلى شخص يخبرنا كيف نعيش، ولا إلى صوت يحدد لنا الطريق الصحيح. أحيانًا نحتاج فقط إلى من يذكّرنا بأن لنا الحق في أن نتغير، وأن نتردد، وأن نخطئ، وأن نبدأ متأخرين، وأن نكون مختلفين عن الصورة التي رسمها الآخرون لنا.

وفي النهاية، ربما لا تكون أصعب رحلة هي تلك التي نقطع فيها المسافات بحثًا عن العالم، بل تلك التي نعود فيها إلى أنفسنا بعد سنوات من الانشغال بإرضاء العالم. وربما نكتشف، حين نصل، أن الشخص الذي كنا نبحث عنه لم يغادرنا أصلًا؛ نحن فقط تأخرنا كثيرًا في الإصغاء إليه.

……

(*) كاتبة ليبية

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com