( أغصان المنازل.. الأسرة والمكان وتحولات المجتمع).. قراءة سوسيو ثقافية في رواية منى الغامدي

هاني الحجي
تقترب رواية «أغصان المنازل» للأديبة منى الغامدي الصادرة عن دار أدب للنشر والتوزيع، والتي قدم لها الدكتور صالح بن معيض، من عالم الأسرة وتحولاتها الاجتماعية، وتمنح المكان حضورًا يتجاوز كونه إطارًا للأحداث، ليصبح جزءًا من الذاكرة والتجربة الإنسانية. فمن خلال حكاية أسرة وما مرت به من ظروف وتغيرات تفتح الرواية نافذة على علاقات الإنسان بأسرته ومدنه، وما تتركه التجارب من أثر في تشكيل هويته.
عتبة الرواية
منذ الغلاف الأول، يجد القارئ نفسه أمام صورة تثير التأمل؛ ألوان زرقاء وسوداء ودرجات متفاوتة من اللون الرمادي ترمز للغموض في العلاقة بين أفراد الأسرة، وكأن جدران البيت ذاكرة تختزن حكايات ساكنيها ومشاعرهم وليست جدرانًا صامتة، ويظهر بيت تحيط به ظلال داكنةإلى جانب ملامح إنسان، وهي صورة تفتح المجال للتأمل في علاقة الإنسان بالمكان، وما قد يعتري هذه العلاقة من اغتراب وصراع داخلي!
أما العنوان «أغصان المنازل» فيحمل دلالة مدهشة؛ فكما تتفرع الأغصان من جذع واحد كذلك تتفرع حكايات أفراد الأسرة وتتعدد مساراتهم، لكنهم مهما ابتعدوا يظلون يبحثون عن جذورهم الأولى، وكأن المنزل امتداد للهوية والانتماء والذاكرة، وليس مجرد مكان للسكن.
يتضح من الإهداء أن الرواية تميل إلى الكتابة السيرية حيث تستعيد الكاتبة تفاصيل من ذاكرة الطفولة والحياة الاجتماعية، وتتنقل بالبطلة بين الباحة وجدة، وصولًا إلى مكة، ليس مجرد انتقال بين المدن بقدر ما هو رحلة في الذاكرة والبحث عن الذات.
تقول الكاتبة في الإهداء:
«إلى أصدقاء الطفولة
الذين رقصوا على أقواس المطر
بحب وصخب.
إلى حارة المدائن التي دفنتها الأنقاض،
وبقيت معالمها موشومة في دمائنا.
إلى كل الذين قضوا طفولتهم مثلي
في تلك الحارة، منسلين
من بين عروق النسيان،
مجدفين صوب الذاكرة».
الأسرة وتحولاتها الاجتماعية والاقتصادية
تصف الرواية التحولات الاجتماعية من خلال تفاصيل الحياة اليومية لأسرة تواجه ظروفًا اجتماعية واقتصادية صعبة، وتتداخل فيها العلاقات الإنسانية مع أعباء الحياة، حيث تبرز شخصية الأب الغائب الذي يختار الزواج من امرأة عربيةو يترك أسرته تصارع الحياة مع أم تتحمل مسؤولية الأبناء وتواجه أعباء الظروف بمفردها، لتصبح محور الاستقرار والصمود داخل الأسرة.
تقول البطلة:
«لم يبق والدي طويلًا لمراقبة سلوك أي واحد فينا بعد ذلك، فقد ترك لأمي ولأخي سلطان كامل المسؤولية واختار أن يتزوج بأخرى».
في هذا المشهد تضع القارئ أمام أثر الغياب الأبوي في حياة الأسرة، وما يترتب عليه من انتقال المسؤولية إلى الأم، التي تجد نفسها في مواجهة أعباء تتجاوز دورها المعتاد داخل الأسرة.
استطاعت الكاتبة أن تبقي المكان قريبًا من هذه التحولات؛ فالباحة بما تختزنه من ذاكرة وملامح اجتماعية، وجدة بما تمثله من اتساع وتغير، ومكة بما تحمله من دلالات روحية وانتمائية، تبدو وكأنها تشارك الشخصيات حياتها وتعيد تشكيل وعيها الاجتماعي. فلكل مدينة أثرها الخاص في ذاكرة البطلة، ولكل مكان حكاية لا تنفصل عن تجربتها الأسرية والإنسانية.
تقول البطلة عن جدة:
«مشكلتي أن الوقت لم يعد كالسابق، وجدة المدينة الوحيدة التي عرفتها معرفة العاشق الأعمى عن عيوب من يحب؛ لا تلبث أن تتكشف عن حقائق وأنصاف حقائق مدفونة في أعماق جنوبها البائس».
التحولات بين الماضي والحاضر
تمنح الرواية مساحة للتأمل في التحولات التي شهدتها الأسرة السعودية، ولا سيما الأسرة الجنوبية حين انتقلت من بيئتها الأولى إلى مدن أخرى، وما صاحب ذلك من تغير في أنماط الحياة والعلاقات والتفكير، ويتضح ذلك التحول في تجربة الأخ الذي يتبنى أفكارًا متشددة تحت تأثير أجواء الصحوة قبل أن تتغير مواقفه لاحقًا بعد مراجعة للذات، ومن خلال هذه الشخصية تقترب الكاتبة من مرحلة اجتماعية مهمة عاشها المجتمع وتأثر التيارات الفكرية والاجتماعية في العلاقات داخل الأسرة، وتناولت كيف يمكن للأفكار الوافدة إلى البيت أن تسهم في إعادة ترتيب علاقات أفراده، وتوجد مسافة بينهم!
تقول البطلة في وصف تحول أخيها ماجد:
«صار ينظر إلينا وكأننا خطاة بحاجة إلى تطهير، فسخر جل وقته ليقرأ لنا في أشراط الساعة، وعلامات محبة الله للعبد، وتلبيس إبليس… حتى كدت وأنا في الثالثة عشر من عمري أن أشيخ أو أتحول إلى علامة في الفقه والتوحيد…».
تستعيد البطلة بذاكرة من الألم تلك المرحلة من خلال نظرة طفلة وجدت نفسها أمام تغير مفاجئ في شخصية أخيها، وفي طبيعة العلاقة التي تجمعه ببقية أفرادالأسرة،
وتستعيد الماضي باعتباره جزءًا من الحاضر، فالتفاصيل الصغيرة والغياب الأبوي وتضحيات الأم والعلاقات المتوترة، كلها ظلت حاضرة في تكوين البطلة، ومع ذلك لم تظل أسيرة لتلك التجارب، لكنها استطاعت أن تمضي في حياتها متجاوزة ما واجهته من صعوبات حتى تتمكن من بناء حياتها وإعادة تكوين أسرتها.
تقول في حديثها عن الباحة :
«لماذا اخترت الباحة لتكون الأرض الطيبة؟ ربما هو انتقال شقيقتي الكبرى هنا للإقامة فيها، ربما لأن هند ملك لم تلوثه أخطاؤنا، حتى أن أمي تمنت أن تموت بين ذراعيها فتحققت أمنيتها، وربما لأن الباحة كانت عالمي المثالي الذي لم تخلق به إلا كل امرأة نقية وصابرة، ولم يخلق لها إلا كل رجل أصيل….».
تبدو الباحة في ذاكرة البطلة أكثر من مدينة يستعيدها الحنين؛ إنها صورة للمكان المثالي الذي تبحث عنه، وتعويض عن أماكن وتجارب لم تمنحها الطمأنينة. هنا تتداخل صورة المدينة مع صورة الأم والأسرة، لتصبح الذاكرة مساحة لاستعادة ما فقدته البطلة من شعور بالأمان.
البحث عن الذات وتشكل الهوية
لا تبدو «أغصان المنازل» سيرة ذاتية بالمعنى الذي يجعل البحث عن الذات رحلة فردية منعزلة، هي أقرب إلى سيرة تتشكل فيها الذات من خلال الأسرة والمكان والذاكرة. فالإنسان لا يكتشف نفسه بعيدًا عن محيطه، وإنما من خلال علاقاته وتجاربه والأمكنة التي عاش فيها، وما تركته الأحداث من أثر في تكوينه.
تكشف عودة البطلة إلى جدة عن هذه العلاقة المتشابكة بين المكان والهوية، إذ تقول:
«عدت إلى جدة إلى مسقط رأسي وروحي وقلبي، إلى مسقط جنوني الراكض في طرقاتها الضيقة، وحواريها المزدحمة وبساطة ساكنيها، إلى جسدي الذي أضعته وأنا أبحث في شوارع مكة عن قناع ما أرتديه ولا يظهر ضعفي الشديد».
تبدو جدة عند البطلة مكانًا تستعيد فيه جزءًا من ذاتها بعد رحلة من التيه والبحث عن قناع يخفي ضعفها، فالمدينة هنا ليست مجرد محطة للعودة، وإنما ذاكرة حميمة وجدت فيها ملامح نفسها الأولى.
ختامًا
كتبت منى الغامدي في «أغصان المنازل» رواية تداخلت فيها السيرة بالتجربة الاجتماعية، والذاكرة بالمكان، والحكاية الفردية بتحولات الأسرة والمجتمع، ولعل ما يمنح الرواية خصوصيتها هو هذا الحضور المتكرر للأسرة بوصفها الجذر الأول الذي تتشكل حوله حياة الشخصيات، رغم
ما أصابها من غياب وتصدعات، أما المدن فتبدو محطات في رحلة البطلة تحمل كل واحدة منها جزءًا من ذاكرتها وتكوينها، وكما تتفرع أغصان الشجرة في اتجاهات مختلفة تتعدد مسارات أفراد الأسرة، لكنهم يظلون مرتبطين بجذور واحدة، مهما أبعدتهم الحياة عن المنزل الأول.



