موسم الخيّر والبركة

أميمة عبد العزيز زاهد
نحن الأمة التي اختارها رب العالمين ومنحها ووهبها هذا الشهر المبارك العظيم، شهر جعل الله عز وجل صيامه أحَد أركان الإسلام، شهر اجتمع فيه مِنْ فضلٍ وخير ما لم يجتمع في غيره من سائر الشهور والأيام، شهر لياليه مباركة، فيه ليلةٌ خيرٌ من ألف شهرٍ، شهر العتق والرحمة والغفران، فهو موسم الخير والبركة والغفران وتكفير السيئات، فيه تتنزل الرحمات، وتُضاعف الحسنات والأجور، وفيه تُفتح أبواب الجنة، وتُغلق أبواب النار
رمضان المعظم هو وتلاوة القرآن، والتهجد هو موسم التراحم والتواصل والتسامح التقوى والصبر والاحتساب وهو الشهر الذي حُظي بصفة الكرم والعطاء والإحسان والصدقات
شهر تمتلئ فيه المساجد، وتنهمر فيه الدموع، وترتفع الأيادي لعنان السماء، وترتجف فيه الألسن، وتلهج القلوب بالدعاء بكل خشوع وتذلل، خوفاً وطمعاً وتقرباً من رب العالمين شهر تجاب فيه الدعوات، وترفع فيه الدرجات، ويجود الله على عباده بأنواع الكرامات، فها نحن نستقبله ومعنا من معنا، ممن كتب الله لهم الحياة، وفقدنا من فقدنا من الأحبة، الذين أسأل الله العلي القدير أن يعمهم برحمته ورضوانه.
فمن أعظم نِعم الله علينا أن بلغنا شهر رمضان، لننعم بالخير الوفير؛ فما أعظم هذه الأيام ونحن نحيا مع هذا الزائر العزيز على قلوب جميع المسلمين؛ فما أكرمه من ضيف تمضي زيارته لنا كلمح البصر؛
فالحمد الله لدينا فرصة ذهبية حتى نبدأ صفحة جديدة نراجع فيها كشف حسابنا وما حصدناه طوال حياتنا ولا ينبغي أن نترك هذه الفرصة ونتكاسل في هذه الليالي المعدودة، ونحرم أنفسنا من أجرها.
علينا أن نغتنم ساعاته ولياليه بالعمل الصالح، وشكر الله بالقلب واللسان والجوارح، وأن نلتقي دومًا بالصدق والإخلاص والمحبة والوفاء، ولا نضيع على أنفسنا فرصة الدعاء والتوبة وطلب المغفرة والرحمة، ولنجاهد أنفسنا ونغسل قلوبنا وألسنتنا
ولنتسامح ممن أسأنا لهم، ونصل من قطعنا، ونُعطي من حرمنا، ونعفو عمن ظلمنا، ونبتهل إلى الله أن يغفر لنا ما اقترفناه في حق أنفسنا وفي حق من حولنا، وأن نتزود بكل ما هو كفيل بأن يثقل ميزان حسناتنا؛ فلعلنا لا نلحق به في العام القادم.
فما أجمل أن نلتقي في رمضان بالصدق والإخلاص والوفاء والمحبة؛ فبالحب نعيش ونسعد دون لوم أو تجريح؛ ودون إساءة وسوء ظن ودون غش أو خداع أو خيانة أو نفاق أو رياء، أو تدليس ودون إهمال الوالدين والأبناء ودون قطع الأرحام والأصدقاء ودون تكبر وتجبر على الجار والعامل والخادم، دون التعدي على حقوق الآخرين ودون ظلم ونميمة أو غّل وحسد وحقد، ولنفتح قلوبنا للمحبة، ونتمنى الخير لنا ولكل الناس؛ فالحياة قصيرة، وكل شيء إلى زوال؛ فلا شباب دائم، ولا غني سيدوم، ولا فقير سيخلد، والباقي هو الذكرى الجميلة والكلمة الطيبة والعمل الصالح.
قال الحسن البصري –يرحمه الله-: (إن الله جعل شهر رمضان مضماراً لخلقه يستبقون فيه بطاعته إلى مرضاته، فسبق قوم ففازوا، وتخلف آخرون فخابوا، فالعجب من اللاعب الضاحك في اليوم الذي يفوز فيه المحسنون، ويخسر فيه المبطلون)
فلنجعل من رمضان بداية الانطلاقة الكبرى والانتصار على النفس الأمارة بالسوء، ولنرفع أيدينا بالدعاء راجين من المولى أن يعيننا على شكره وذكره وحُسن عبادته ويجعلنا ممن يصوم ويقوم شهر رمضان إيماناً واحتساباً وأن يجعلنا من الفائزين المقبولين.
وأن يعيده علينا ونحن أسعد حالاً، وأكثر إيمانًا وحبًا ورضًا.. اللهم أعنا على صيامه وقيامه، والعمل الصالح فيه وفي غيره من الشهور، اللهم إنا نَبرأ من حولنا وقوتنا ونستنجدُ بحولِكَ وقوّتكَ فنحن لا حول ولا قوة لنا إلا بك، وأرحم اللهم موتانا وموتى المسلمين وأشفى مرضانا ومرضى المسلمين
وكل رمضان ونحن وجميع الأمة الإسلامية والعربية ننعم بالصحة والعافية والخير والمحبة والعدل والسلام.
*وقفة صدق *
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “رُب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع، ورُب قائم ليس له من قيامه إلا السهر”
وقال عليه الصلاة والسلا : “من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه”



