إيقاع النثر

مصطفى لغتيري
واهم من يعتقد أن الإيقاع خاص بالشعر ومتوقف عليه، فالكتابة النثرية كذلك لها نصيب كبير من الإيقاع، ولا مناص لها منه.. به تصبح أكثر جمالًا ورقة، لتتسلل إلى نفس القارئ بيسر، ويقبل عليها بكثير من الشغف، فتجد في نفسه هوى، يتضاعف بتوالي النصوص وجودتها.
الكثير من الكتاب يعون هذه الحقيقة، ويسعون جادين لتنعم كتابتهم بذلك، فالكتابة الإبداعية قصة ورواية تحتاج إلى هذا الإيقاع، وإلا تشابهت مع المقال العلمي، الذي يكاد يكون حظه من ذلك منعدما، وإن كان لا يخلو منه تماما.
يعترف بعض الكتاب بأنهم بعد أن ينتهوا من كتابة نص ما، يعيدون قراءته على أنفسهم بصوت مرتفع.
لم يفعلون ذلك؟
إنهم يبحثون عن ذلك الانسجام النغمي، الذي يخلقه الإيقاع الخفي، ذلك الذي ينتظم النص و يحكمه، وحين يعيد الكاتب قراءة نصه يلجأ إلى تغيير لفظة أو عبارة، لأنها لم تنسجم مع كلية النص، رغم أنها تؤدي المعنى المطلوب، فقط لأن اللفظة البديلة حققت إيقاعية النص.
يتحقق هذا الإيقاع في الكتابة النثرية بدوزنة أوتار الكاتب التذوقية، فنجده يراعي مخارج الأصوات وانسجام الكلمة مع أختها حتى لا تكون نشازا، و كذلك الشأن بالنسبة إلى العبارة في علاقتها مع باقي العبارات.
وليس مستغربا بعد ذلك أن نجد بعض النصوص النثرية قد خضعت لوزن شعري معين وإن كان متعدد التفعيلات، دون أن يقصد الكاتب ذلك أو يفكر فيه، إنه يأتي عفو الخاطر، لأن الكاتب قد تعوده ولا تقبل حاسته الإبداعية عنه بديلا.
و قد يتجاوز هذا الإيقاع الكلمات ليطول الشخوص والأفضية والزمان، فلا شيء في العمل الأدبي عشوائي، بل كل شيء يخضع لنوع من الإيقاع المنتج الفعال.
هذا الإيقاع بالذات هو ما يدفع البعض إلى إطلاق تسمية “النثر الفني” على الكتابة الإبداعية خارج الشعر، هذا الأخير الذي دأب العرب على تعريفه بإيقاعيته.



