مقالات

قراءة في مجموعة “المعتقل الأحمر” للكاتب نايف مهدي

الكتابة تحت المطر وكشف جوهر التشوه ..

علي الفقي : روائي وناقد
جمهورية مصر العربية

78776e08 e932 405a 8a8c 5c831d5a59eb

تدور أحداث قصص مجموعة “المعتقل الأحمر” وسط أجواء مشحونة بالتوتر والطقوس الطبيعية التي تُعطي انطباعًا لدى القارئ بالتحفز لاستجماع حواسه وإدراكه للأحداث المتلاحقة التي تتخلل كل قصة.. من هذه الطقوس: المطر الذي يُعد عاملًا مُشتركًا في معظم القصص، إنْ لم يكن في جميعها. كما لو أن الكاتب كان يجلس تحت المطر ليخطَّ قصصه، فيرى القارئ المطر بمنحنياته، بثلوجه، بغزارته، كما في أول قصة “ضوضاء جارفة” مما يعزّز التأثير النفسي على الابن الذي يظل يبحث عن الأمان بعد انتهائه من مراسم دفن والده، وذلك في مقابل العم الذي هو المعادل الموضوعي أو الضد للأب الراحل- القوة للعم في مقابل الطيبة- الشراسة في مقابل الحنان والألفة- التسلط والغنى والزهو بما يملك العم في مقابل الفقر والرضا بالستر للأب الذي أورث ابنه القناعة والجهد والعمل.

ومما يؤكد أن الكاتب قد تماهى مع نصوصه لدرجة التوحد مع أبطاله فهو استخدامه ضمير المتكلم في معظم القصص، مما أتاح له العبور بالزمن والدخول في الحدث بأريحية تامة وهذا اتضح في القصة التالية (نسائم أخيرة) فهو زوج هذه المرأة التي تحلم بالأمومة ويهزمها المرض الذي يتسبب في هذيانها أو حدوث نوع من الخلل الذهني عندما تلتقي بطفلٍ يتيم في المستشفى تعتقد أنه ابنها وهي لا تعلم أن الرحم لديها تهرّأ وأنها لم تقدر على الحمل لضعفها الشديد واستمرار النزيف الذي استمر حتى موتها والولد الصغير في النهاية يركب سيارة دار الأيتام.

e3e81499 eb35 4d98 91a5 ac29c9a7e7d0

ورغم أن الكاتب يستفيض في التعبير عن الأحوال النفسية التي تخلق الصراع الداخلي في نفوس أبطاله إلا أن النهاية التقليدية التي أنهى بها قصته الأولى وهي انتظار الأمل لعل الأب أو روحه يعودان للتحليق فوق حياة الابن ليشعر بالأمان الدائم، فقد جاءت نهاية القصة الثانية مدهشة.. فهو لم يلمّح داخل النص أن الطفل يتيم مما جعل القارئ يبحث في داخله عن أهل هذا الطفل الذي أصبح يقضي معظم وقته مع هذه المريضة.. ليفاجئنا بأن الطفل عاد من حيث أتى مع سيارة دار الأيتام التي كانت قد أودعته المستشفى للعلاج.

يتجلى ضمير الراوي العليم ببواطن الأمور في القصتين التاليتين (القط عوينان) و(مدينة الرماد) حيث يستمر المطر هو البطل المشترك في الصراع الذي يعيشه الأهالي في القرية وتسلط العمدة وابنه على الفقراء- رمز للحاكم والشعب- رمز السلطة والضعف من ناحية، ومن جهة أخرى برع الكاتب في الربط الدقيق الشفاف بين هذا الصراع وصراعه مع الذئب- الصراع الذي يعيشه الإنسان مع الذئاب كحيوانات- والذئاب البشرية، وهذا الصراع يتخلله علاقة إنسانية فوّارة بين البطل وبين قطه الذي أسماه عوينان ، وقد أمعن الكاتب في وصفه ودمامته واشمئزازه منه بعد أن سلخه الماء الساخن، وفي الوقت الذي أراد أن يتخلص منه فإذا بهذا القط الذي ينقذه من موتٍ مُحقق من الذئب وذئاب أخرى كانت في الانتظار، فيضحي هذا القط بنفسه ليجعل من نفسه فريسة لهذا الذئب حتى يبتعد عن صاحبه..

وكنت أظن- كأي قارئ- أن القصة ستنتهي هنا بنجاة البطل، إلا أن الراوي كي يؤصل لدينا الخوف والرعب من عمدة القرية- السلطة أو الحاكم- فيظل يزحف في الرمال مسافة طويلة حتى يلحق بفرح وعرس ابن العمدة، ويكون أول الحاضرين حتى لا يغضب عليه العمدة ويتعرض للعقاب، فيُلقي بنفسه أمام سرادق العرس مُنهكَ القوى. ويستمر تجلي الجملة الروائية الطويلة والوصف الدقيق لمدينة الرماد، تلك المدينة التي تحولت بفعل القصف المستمر والاعتداءات غير المنقطعة إلى رماد، حتى الفرن الذي كان هو الوحيد على قيد البناء ويقف أمامه الأهالي لتناول الخبز، وحتى الشيخ الذي كان يؤمهم ويأتيه الخبز أولًا، أصبح يقف هو الآخر في الطابور ولا يعيره الناس اهتمامًا أو إجلالًا في مقابل- عماد الأصفر- رمز الخراب، رمز الاختلال-. وتبدو الرموز التي عبّر عنها الكاتب عن معاناة الشعب- ولا بد أن يأتي إلى الذهن شعب غزة- دون أن يفصح الكاتب ذلك، الذي صرخ ضد الأمم المتحدة وموقف الدول المجاورة.. مُعبّرًا عن الخوف والظلم الأممي الذي غطّى على ظلم العدو،و الذي ساعد بشكل كبير على تحول الشعب، فأصبح الشيخ لا يصلي في المسجد، بل صلى وحده في البيت، والدهشة عندما أصبحت زوجته تشرب الشيشه وتدخن في نهار رمضان على عتبة المنزل المتهدم، هذا التحول وهذه الصرخة في وجه العالم والعدالة وحقوق الإنسان وفي وجه المثقفين والشعوب جميعًا. وفي وجه الحكام الذين يستريحون في كراسيهم العالية، وكأنَّ ليس هناك دولًا مجاورة تعاني الإبادة والمحو من الخرائط.

e3e81499 eb35 4d98 91a5 ac29c9a7e7d0

يستمر الكاتب تحت المطر أيضًا يسطّر جملته الروائية الواضحة في سرد قصة (المعتقل الأحمر) ويبرز العلاقات الثنائية- الإنسانية الاستثنائية، كما حدث في القصص جميعها- البطل والأب- البطل والقط- المرأة والطفل- ثم المرأة والقزم، البطل والغولة.

نجد الأزمة تبدأ في المعتقل الأحمر بين رجل وابنته المفصولة عن الواقع، ربما يكون مرض التوحد أو التخلف.. مرض ذهني- تشوهات عمودها الفقري. يستثمر الكاتب المطر والمشهد وإقحام الشرطة لمنزله للقبض عليه بسبب مقالاته وفيديوهاته المنددة..

هذا الاستثمار الأدبي في جذب واجترار الذاكرة لزوجته الخائنة وقتل أخيها لها لاكتشافه الخيانة وتركها خمس بنات معوقات مُتن منهن أربعة. الرمز هنا أنه وحيدٌ لم يكن له سندًا يتكئ عليه.. حتى أثناء التعذيب في السجن ورؤيته ووصفه لزملائه في هذه الغرفة الضيقة الحقيرة القذرةـ والذي كل شيء فيها باللون الأحمر وكأنهم جميعًا ينتظرون الإعدام (رمز اللون الأحمر) أو الموت، وهذا ذكرني بفيلم سجن شاوشانك الحصين. وبالفعل يموت منهم “جابر المفصوم” ويسرد الكاتب قصة موته العجيبة وتركه هكذا في الغرفة بين السجناء حتى يتحلّل ويتعفن، دون دفن، والقارئ هنا بإمكانه أن يشمّ ويرى هذه الجثة التي صوّر موتها بمنتهى القسوة، والرمز هنا أنه لا ثمنَ للإنسان سواء حيًا أو ميتًا، كما لا عدالة، لا محاكمة، وكذا موت سجين آخر وهو الأعور..

برع هنا الكاتب في التحليل النفسي للنفس البشرية في أقسى اختباراتها، الشعور بالذلة والمهانة وانتزاع الروح واستقبال الحزن والأسى بكل ترحاب، وكان هذا شيئًا عجيبًا أن يفعله نايف مهدي، فهنا لسنا أمام معتقل عادي، بل إننا أمام معتقل نفسي يسجن الروح قبل الجسد وأن الإنسان أمام ذاته سجين لا يعرف كيف ينجو ولا يعرف كيف يخرج من حالات انكساره، لكنه دائمًا متشبثٌ بأمل بعيد، فهنا البطل تعرض للخيانة من الزوجة ومن الجيران ومن الدولة نفسها، لا لشيء إلا لأنه يقول رأيه.

(الرجل البطيء) التي تعبر عن بطء الحياة نفسها رغم تعبير الكاتب أنها تمر بسرعة عليه وأيضًا خيانة الزوجة مع أحد أصحاب الموالد الذين يُطلق عليهم تسمية (الغجر المرتحلون بخيامهم). والحنين الدائم عبر الذاكرة المشرعة نوافذها من صدمة رحيل الأب والأم ثم صدمة الحريق الذي شبّ بمنزله وقضى على أولاده الثلاثة بعد خيانة أمهم وتركها لهم ليقوم هو بتربيتهم وحده، ثم انتظاره ببطئ أن يأتيه الموت. كما لو أن الموت هو الخلاص الوحيد في هذه الحياة.

كاميرا الكاتب واضحة ومتحركة وراصدة ليعبرُ في السرد الداخلي النفسي عن مناطق تتقاطع فيها الأحلام مع الواقع.. الذاكرة والخيال، كأننا نشاهد سيناريو مصور بإحكام. الصورة تعبر أكثر من الحوار، والإيقاع يطرح وجوه مفطورة من الفقد والقهر والخوف والعزلة والحنين، يرصد نفس الإيقاع والتحول البطيء لبطل النصوص من إنسان له اسم وبيت وصوت وأسرة إلى مجرد رقم، أو ظل، أو جسد ينتظر الألم ويحاول التكيف مع الحياة حتى ولو كانت بشعة، أو مجرد قطعة من العذاب والحرمان.

قصة (القزم) وتلك العلاقة النادرة والتصرف الاستثنائي من الفتاة رحمة مع القزم، وهذا القزم ليس كأي قزم معروف، فمعروف أن القزم كما نراه يكون مكتنزًا ممتلئًا قليلًا من الأسفل، مضغوط وطوله يتراوح بين 60 سم إلى المتر تقريبًا. أما القزم هذا فهو يشبه عُقلة الإصبع لا يُرى بسهولة فهو يختبئ في درج صغير أو تحت منضدة وكأننا أمام قصة من ألف ليلة وليلة.

وكأن هناك خيطًا خفيًا بين الفتاة وهذا القزم، هذا الخيط يتسلل بحنان وخفة بين الشقوق النفسية الهشة والمتعبة والمنصدمة، خاصة الفتاة التي وجدت في خطيبها الذي يتناول الحشيش وأراد التعدي عليها. وكذا الغولة- والعلاقة بين الفتاة وشقيقتها المصابة بالتشوه واللائي يتسولن امام المحلات العامة. وأيضًا كانت عين الكاتب كالكاميرا الدقيقة جدًّا حين رصدت الشاحنات التي تفرم الإنسان البائس، كأنها الحياة لا ترحم الفقراء، ونفس العلاقة الإنسانية نفس السيناريو لشاب بائس في محله الذي ورثه عن أبيه يذهب إلى المقهى ليجد الفتيات، خاصة التي تشبه الغولة، مثل رحمة التي ذهبت إلى السوبر ماركت فالتقت بالقزم ثم نشأت تلك العلاقة- ثنائيات متوالية في بعض القصص- بين الكلب والقزم.. في هذه القصص وهذه الثنائيات تعبير عن فداحة العالم وتمسكه بالمنصب والسلطة وفرمه لكل ما هو بائس وفقير ومحتاج.. حتى وقت الانتظار يطول وإن قصر. في قصة (فراغ) الحنين المنتظر والحبيبة المتأخرة وعلبة القطيفة التي بداخلها العطر الذي تحبه، لكنها لم تأتِ إليه، وتمضي الأحداث لتنتهي بجريمة قتل. ثم لا مبالاة وسماع الرعب في السيارة مع الشخص المرعوب مما حدث ويستمر الحنين.. رغم التغيير للأسوأ وضياع كل المعالم القديمة في الحي القديم وتأتي الذاكرة من بعيد لرؤية الأب (الحنين) الذي عاد شابًا وتذكر زجره في (نوافذ مشرعة) وعقابه له على تدخين سيجارة في ميضأة المسجد. ثم يتفجر الرمز عندما يرى الجملة التي نحتها السارد” إياك أن تهتم” بجوار محول الكهرباء، الرمز هنا تعبير عن تغير الفولت يرتفع أو ينخفض: (لا تهتمّ) لينهي الكاتب القصة عندما نحتَّ بمسمار جملةً عبقرية جدًّا: ” لقد حاولت لكنني فشلت يا معلمي الكبير” لعله الزمن هو المعلم، لعلها التجارب فهي نهايات مفتوحة ليعيش القارئ حالته مع (العصافير الخرساء) ليتأكد لدينا أن الكاتب في محاولات دائمة لإنعاش الذاكرة لمحاولات النجاة دون أن نسقط. وإذا حدث السقوط كيف نشحذ عافيتنا مرة أخرى لنستعيد القوة ونقف، وكيف نحافظ على كل عصفور أضفى على حياتنا الرقة والحبور والسعادة، وأن محاولات النسيان للماضي لهي من الصعوبة بمكان؛ لأننا بسببها نبني الحاضر ونحاول أن نعيشه جميلًا.

الرموز واللغة التي دمجت بين الواقعية والشاعرية بجانب المؤثرات الطقسية مثل المطر والجبال والصحراء أضفت على القصص نوعًا من السيمائية المحببة المشوقة التي تجعل القارئ يواصل قراءته ليعرف هذا العالم الذي يغوص معظم شخصيات بالتشوه سواء التشوه النفسي أو الخِلقي أو الخُلقي.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com