الأولى

العرضة مع الشقر ، إلى أين !

الفنون هي مرآة الشعوب و هي منجز إنساني جمالي يظهر فيه الإبداع و الرقي . جمال الفن و تطوره هو انعكاس طبيعي لتحرر و تحضر المجتمع و في المقابل انحطاط الفنون هو انعكاس لتدهور المجتمع و تخلفه .

العرضة أهم و أقدم الفنون لأهل الحجاز و تهامة و لا يعلم للعرضة تاريخ محدد لكن المؤرخ الدكتور عمر بن غرامة العمري ذهب الى ان العرضة قد ظهرت قبل التاريخ مع الأقوام البائدة عاد و ثمود ثم تطورت تباعاً

ولا شك ان العرضة كفلكلور شعبي هي من أميز الرقصات و أكثرها جمالاً و هي رقصة حماسية بإمتياز و كلامي هذا ليس تحيزاً أعمى ، فالعالم اليوم قرية صغيرة و بنظرة سريعة على أشهر الرقصات و الفلكلورات الشعبية حول العالم ستكتشف بنفسك هذه الحقيقة الجميلة .

لكن بالرغم من هذا تظل العرضة حبيسة إقليم معين و ذات تأثير محدود مقارنة بغيرها من الرقصات الاقل جمالاً و الأوسع انتشاراً و تأثيراً . ولهذا عدة اسباب لعل ابرزها و أهمها هو ارتباط العرضة بشعر الشقر أو الجناس .
يعتبر الشقر أو الجناس من المحسنات البديعية في اللغة العربية و ارتبط مع العرضة بشكل وثيق خلال المائتين سنة الاخيرة كما هو معلوم ولعل تاريخ الارتباط كان اقدم و بتدرج ، لكنه لايتعدى القرن السابع الهجري وهي الفترة التي أعقبت عصور الازدهار الادبي وغلبت المحسنات البديعية على ادبها المهلهل حتى أتت مدرسة الإحياء بروادها العظام وانتشلت الادب العربي من ذلك الانحدار و التردي الخطير .

يرى البعض ان شعر الشقر فن متفرد و ينم عن براعة شعرية قوية و هذا القول لايخلو من وجاهه لو استخدم الشقر باعتدال و دونما تطرف كما هو الحال في العراق مع الأبوذية و في لبنان و غيرها مع فن الزجل .

أما ان يطغى ويهيمن الشقر على الشعر بهذا الشكل الفاضح فقد أوقع شعر العرضة في العديد من المزالق و المشاكل التي اسهمت في ضعفه و تقوقعه و أهمها ثلاثة امور :

أولاً : غرابة المفردات و الألفاظ والتي لاتكاد تسمعها الا على ألسنة شعراء العرضة ولا نظير لها في اللغة و قد يجهل معناها أهل الاقليم انفسهم و الادهى و الامر ان يتقبل البعض هذه المفردات والهرطقات الغريبه ويسعى لتفسيرها بالحذاقة و الضرورة الشعرية .

ثانياً الاهتمام بالبناء (الشقر) على حساب المعنى حتى اضحة أغلب قصائد العرضة قصائد ميته بلا روح و لا يجمع المبنى و المعنى الا قله قليلة من الشعراء وفي قصائد نفيسة ونادرة .

ثالثاً قتل الابداع فليس النظم محظوراً فحسب بل كل المحسنات البديعية الآخرى محظورة ايضا ، فلا وجود الا لشقر و حتى الاغراض الشعرية طغى عليها المدح و خفتت الكثير من الاغراض الآخرى كالحكمة و الغزل .

كانت النتيجة او المحصلة الطبيعية لهذه العوامل الثلاثة أن وقف الشقر حجر عثرة في طريق بروز هذا الفن الجميل ، بل اصبحت العرضة اشبه ماتكون بالبطة العرجاء امام العرب أهل اللغة أنفسهم فضلاً عن غيرهم . واحسب انه ما كان لشقر ان يستمر و يصمد كل هذه المدة لو ارتبط بفلكلور آخر غير العرضة .

والخلاصة أن تنمر الشقر على العرضة قد طال و لابد من الانفكاك حتى يبصر شعر العرضة طريقه الى الابداع و الازدهار مجدداً ، فالمشغول لا يشغل كما يقال و الشقر اصبح الشغل الشاغل لشعراء وهو ليس في الشعر الحقيقي و الادب الا زينة ، لكن متى و كيف يكون هذا الانفصال ؟ الله اعلم .

محمد صعمود الكناني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com