شَيْبَةُ الجِنِّ

مُحَمَّد مُحْسِن الغَامِدِي
إِلَى عَهْدٍ قَرِيبٍ، وَرُبَّمَا إِلَى الْيَوْمِ، مَا زَالَ أَيُّ رَجُلٍ وَصَلَ عُمُرَهُ إِلَى السِّتِّينَ فِي قَرْيَتِي يَعْتَبِرُ نَفْسَهُ مَسْؤُولًا عَنْ كُلِّ شَبَابِ وَشَابَّاتِ الْقَرْيَةِ. قَدْ يُوَجِّهُ إِلَى أَحَدِهِمْ أَوْ إِحْدَاهُنَّ نَصْحًا، وَرُبَّمَا أَمْرًا بِالتَّحَرُّكِ إِلَى الْبَيْتِ أَوِ الْبَقَاءِ فِي مَكَانٍ مُعَيَّنٍ رَيْثَمَا يَزُولُ خَطَرٌ أَوْ مَطَرٌ قَدْ يُسَبِّبُ الْغَرَقَ.
وَرُبَّمَا تَتَغَيَّرُ نَبْرَةُ الصَّوْتِ وَتَقْتَرِبُ مِنَ الْغَضَبِ عَلَى أَمْرٍ لَاحَظَهُ الرَّجُلُ الْمُسِنُّ بِاقْتِرَابِ غُرَبَاءَ، فَيَأْمُرُ أَيَّ شَابٍّ أَوْ شَابَّةٍ بِالتَّحَرُّكِ الْفَوْرِيِّ وَالِابْتِعَادِ رَيْثَمَا يَتَبَيَّنُ هُوَ مَا الَّذِي يَجْرِي.
الْيَوْمَ اخْتَفَتْ تِلْكَ الْمِيزَةُ الْجَمِيلَةُ، وَأَصْبَحَ كُلُّ إِنْسَانٍ مَسْؤُولًا عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ تَصَرُّفَاتِهِ، وَبَقِيَ فَقَطْ تَوْقِيرُ الْكَبِيرِ عَنْ بُعْدٍ، وَحَتَّى رَدُّ السَّلَامِ أَوِ التَّصْبِيحُ وَالتَّمْسِيَةُ لَمْ يَعُدْ يُسْمَعُهَا إِلَّا قَلِيلًا مِنْ شَابَّاتِ وَنِسَاءِ الْقَرْيَةِ اللَّاتِي كُنَّ رَائِحَاتٍ غَادِيَاتٍ إِلَى الْمَزَارِعِ.
الْيَوْمَ أُغْلِقَتِ الْأَبْوَابُ، وَصَارَتِ النِّسْوَةُ وَالشَّبَابُ مَشْغُولِينَ بِجَوَّالَاتِهِمْ، يَقْرَأُونَ وَيَرُدُّونَ عَلَى مُرَاسَلَاتٍ وَإِعْجَابَاتٍ وَمُنَاقَشَاتٍ شَتَّى لَا تَحْتَاجُ نَصْحًا مِنْ مُسِنٍّ. وَصَارَ الذَّكَاءُ الصِّنَاعِيُّ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ يُبَيِّنُ لَهُمْ وَلَهُنَّ كُلَّ مَسْلَكٍ وَأَجْوَدَ طَرِيقٍ حَتَّى فِي الْعَلَاقَاتِ الْإِنْسَانِيَّةِ.
وَاخْتَفَى الشَّايِبُ النَّاصِحُ الَّذِي كَانَ يُلَقَّبُ فِي الْقَرْيَةِ (شَيْبَةَ الْجِنِّ)، لِأَنَّ نَصْحَهُ وَأَوَامِرَهُ لَمْ تَكُنْ عَلَى مَا يُرِيدُهُ الشَّبَابُ وَالشَّابَّاتُ دَائِمًا.



