وماذا بعد؟
أميمة عبد العزيز زاهد
ضغوط الحياة كثيرة سواء كانت عائلية أو عاطفية، أو وظيفية أو اجتماعية أو مادية، أو صحية أو جسدية أو عقلية، أو ضغوط نفسية وعصبية وبيئية.
ويختلف مدى تقبل كل منا لهذه الضغوط حسب قوة إيمانه وتربيته وثقافته، والعوامل المحيطة به ومدى إمكانية تحمله لكل تلك الضغوط، دون أن يشكو أو يتألم أو يعاني أو يتذمر، خاصة وأن الضغوط تؤثر على صحتنا وراحتنا، فعقولنا المسكينة لا تكف عن التفكير المتواصل، ولا تهدأ من الدوران كالطاحونة، كل ذلك يستنزف طاقاتنا ويضيع قدراتنا على الإبداع، ويقلل القوة الدافعة من أعماقنا، بجانب شعورنا بالتعاسة.
وكلما تعمقنا أكثر ازداد إحساسنا بالعجز، فنحن منذ أن نستيقظ حتى نخلد للنوم نفكر ونردد دائماً لأنفسنا وماذا بعد؟
وحتى لو خلدنا للراحة، يعاودنا التفكير مرة أخرى متى سننهي ما تراكم علينا من أعمال؟ وماذا سنفعل غداً وبعد غد؟ وهكذا طوال عمرنا ونحن نفكر ماذا سنفعل؟ لأننا اعتدنا على عمل أي شيء في أي وقت.
إنه العصر الحديث الذي نجري وراءه بأنفاس لاهثه وهاربه، بعد أن أصبحت الضغوط سمة العصر وجزء لا يتجزأ من حياتنا، ولا نجد الوقت الذي نتأمل أو نسترخي فيه؛ لنبحث عن أنفسنا داخل هذا العالم، فكل ما حولنا من صراخ وضجيج، من تنديد واستنكار، أفقدنا التواصل مع الآخرين، ومن قبلها مع أنفسنا
فلا وقت لدينا، الكل مهموم، الكل مشغول، الكل مضغوط، الكل قلق، حتى أصبح كلامنا ودعواتنا وتهنئتنا وسؤالنا، من خلال بضع كلمات نكتبها في عجالة من أمرنا ونرسلها في ثوان، حتى انعدمت روح العاطفة، وباتت مشاعرنا جافة بلا معنى ولا هدف، إن إحساسنا بالضغط إدانة واضحة لأنفسنا، تشعرنا بأن في أعماقنا أخطاء لا بد أن نصححها، أو أن هناك نقصاً يجب أن نستكمله.
وفوق كل ذلك علينا أعمال إضافية لا يتسع لها وقتنا، ونتوهم بأن علينا البحث عن المادة أكثر من اهتمامنا بصحتنا وراحتنا.
فهل فكرنا لحظة في إعطاء إجازة لهذا العقل المرهق؟ هل لنا أن نتعلم كيف يركن ذهننا إلى قليل من الراحة؟ فالعقل كالجسد يحتاج للاستجمام لكي يعود أفضل تركيزاً وأكثر نشاطاً وقوة وقدرة على الابتكار، وحتى نخفف الضغط الناتج عن أعمال لن تنتهي، حتى لو انتهى عمرنا سيبقي هناك الكثير الذي لم ننجزه وسينجزه غيرنا.
إننا نحتاج أن نوازن بين ما يحدث لنا في يومنا وما يتسلل إلى نفوسنا من مشاغل ومشاكل، وبين أي أمر يمنحنا الراحة في باقي يومنا.
فالله سبحانه هو من يمنحنا القدرة على التكيف مع الضغوط لو أردنا نحن ذلك ولم نستسلم لها، والإرادة تنبع من الداخل لنتغلب على ما يواجهنا، ونحدث التوازن بين متطلباتنا ورغباتنا واحتياجاتنا وقدراتنا، ونمنح عقولنا الفرصة للتكيف مع الأزمات التي نمر بها ومن قبلها شعورنا بالرضا النابع من أعماقنا، بأن الحياة مجرد دار ممر فالعمر قصير وإن طال، ولنسرع ونتزود بكل ما من شأنه أن يعلي مكاننا في دار المقر
وتزودوا فإن خير الزاد التقوى



