من الذاكرة .. محمد حسن عواد وأحلام الشباب

طلال حسين قستي (*)
في بدايات عام 1395هـ دعوت الكاتب الكبير الأستاذ محمد حسن عواد رحمه الله إلى الإجابة على سؤال عن أحلام الأدباء في مطلع شبابهم ، وكنت وقتها أحرر صفحة بعنوان كل شيئ في صحيفة البلاد، فاستجاب مشكوراً، وقال إنه يسره أن يجيب على سؤالي على تلك الصفحة، وكانت إجابته إضاءة على ما كان يصبو إليه العواد مبكراً من أن تتم على يديه وزملائه نهضة أدبية لها آفاقها كما ذكر في إجابته.
قال العواد في إجابته على سؤالي: ” لكل ناشئ في نشأته الأولى أحلام..
أحلام ليست كأحلام الرجال الكبار، لأنها أحلام لا رقيب عليها من العقل الظاهر، فهي أشبه بأحلام العقل الباطن (الكابتة)، ولكن الأحلام تختلف حسب الميول والنزعات، فالناشئ الميال إلى الأدب مثلا بحكم انسجامه معه في دراسته المدرسية أو بحكم الوراثة من بعض أفراد عائلته، أو بحكم البيئة التي عاشها بعمق أكثر من عمق عيشه في غيرها، أو بحكم فطرة مستقرة في نفس الطفل، لا يعلم هو ولا مربوه حقيقة منبعها، هذا الناشئ يحلم بأن يبلغ في حلمه الغاية، وأن تنعكس هذه الغاية على وطنه وأمته أمجاداً أدبية لها آفاقها.
وقد كنت في نشأتي الأولى من هذا الطراز.. كنت أحس – أنا ورفاقي من أصحاب هذه النزعة – أنه يجب أن تتم على أيدينا، أو على سوانا من المواطنين، سواء كان هؤلاء متكتلين في جماعة أو جماعات، أو كانوا فرادى تنطلق ضمائرهم وأفكارهم بحرية كاملة إلى السعي لهذه الغاية المجيدة في نظرهم..
وكنت من النوع الذي يفضل التفكير المنفرد، والعلم المنفرد، بعيداً عن الاتصالات والمشاركة والجمعيات، ولكني كنت في نفس الوقت لا أكره وجود هذه المشاركات والجمعيات، ومن هنا كنت أشارك بحضوري وعملي – لا بأحلامي – في نواد أدبية نتبادل بها الآراء والتطلعات وما إليها..
بل سبق لي أن ترأست بعض هذه الأندية، والجماعات التي تؤمن معي بتفوق الأدب والفكر والفن على الماديات، لأن هذه الثلاثة من مظاهر الحياة الحضارية تستطيع أن تبشر بازدهار الحياة، وأن تقود غيرها من مظاهرها إلى الازدهار.
وكان المثل الأعلى للإنسانية في نظري هو الإنسان الاجتماعي الذي يفتح قلبه لكل عمل ينعكس بنتائجه على الوطن والأمة.
ولم أكن أكره أحداً كرهي للشباب المادي الأناني، والشاب الدساس الذي يسعى – في الظلام – للتفرقة وبث الأذى بين الآخرين.
ولكن على كرهي له لا أكره أن أصادقه إذا اتجه هو إلي بالصداقة، وسبب هذا الموقف هو أنني لا أكره شخصه البشري، ولكن إنما أكره صفته البشرية، ولعلي كنت أحلم أنني أستطيع أن أحول مجرى تفكيره بالاختلاط معه والتأثير عليه، إما بالضرورة أو بالمناقشة والحوار”.

اخترت هذه الفقرات من إجابة العواد رحمه الله والتي نشرتها في الصفحة التي كنت أحررها تحت عنوان ” كل شئ” في صحيفة البلاد بتاريخ 3/1/1395هـ، والتي قدمت لها بكلمة خلاصتها أن العواد عندما يتحدث عن أحلام شبابه الأدبي فإنما يكون بذلك قد وضع لناشئة الأدب عصارة حلم طالما راود خياله، وجند من أجل تحقيقه ما يملك من قرات، يمكن أن يسهم بها في خدمة الفكر في بلاده، ويشارك بما ينتج في إثراء أدب أمته وثقافتها، وأنه حقق الكثير من الأماني والأحلام التي كان يتطلع إليها في صباه الباكر، والتي جمع فيها بين تفكيره المنفرد وعلمه المنفرد ورغبته في الإصلاح وبين سعيه لخدمة مجتمعه وبلاده سعياً يحقق لوطنه وأمته أمجاداً أدبية لها آفاقها كما قال في إجابته على سؤالي..
والأستاذ محمد حسن عواد الذي ولد في جدة عام 1902، هو أحد رواد النهضة الأدبية والفكرية في المملكة، وكان مدرساً بمدارس الفلاح، وتتلمذ على يديه العديد من الأدباء المعروفين، ونشر كتابه الشهير “خواطر مصرحة” عام 1926م، كما كان أول رئيس للنادي الأدبي بجدة، وتوفي رحمه الله عام 1980م.
…………..
(*) رئيس تحرير مجلة الحج والعمرة سابقا
ورئيس تحرير مجلة المبتعث سابقا



