ذكريات مغترب – 4

يوسف أبو عواد
ذكريات كثيرة، تختزنها الذاكرة، تسافر بي أشواقي إلى
ذات المكان والأشخاص، إنها أحلام مستيقظ، لكني أعيش
معها اللحظة، وأفيق من أحلام اليقظة، على قناعة تامة، بأن
دوام الحال من المحال، وأننا ما حيينا سنبقى نتنقل بين جغرافيا الأماكن، وحضور الأشخاص، وأن كل وأي وقت نحن فيه ماض لا محالة، مهما طال الجلوس على أريكته.
- كان الوقت فصل شتاء، وفي الجوف آل الجريد لنسائهم
باع طويل في حرفة السدو أو النول، حيث يتم غزل وصبغ
ونسج الصوف، ذهبت لإجراء مقابلة صحفية مع واحدة من
هؤلاء الأمهات اللواتي أجدن الحرفة، وعملت لقاء كاملا مع
السيدة أم عبدالله الجريد، تناولنا فيه كل ما له علاقة بأصواف الضأن، وشعر الماعز، ووبر الإبل، ونشر اللقاء في مجلة اقرأ الأسبوعية الصادرة عن مؤسسة البلاد في مدينة جدة.
وما أن وقع العدد في يد أحد أبناء أم عبدالله، إن لم تخني الذاكرة، ابنها جريد (أبو راكان)، ذهب إلى أم عبدالله ليقرأ عليها ما نشرته في اللقاء، فاستوقفتها قفلتي وختامي لمادة اللقاء معها قولي:
( وما زلت أحلم في ذلك الدفء الذي يوفره اللحاف المحشو بوبر الأبل، في وقت كانت فيه دراجات الحرارة الليلية بمدينة سكاكا، تصافح أحيانا راحة الصفر المئوي).
وحقيقة لم أكن اتوقع، ما أقدمت عليه السيدة أم عبدالله، التي في الحال طوت لحافا جديدًا محشوا بوبر الإبل، وقالت لابنها: فورا تذهب به لصاحب المقال؟، وكان ما أرادت.
أهل الجوف، موسومون بسجايا السخاء والجود والكرم، حتى أن معالي الأمير عبدالرحمن السديري، أمير الجوف الأسبق يرحمه الله، في كتابه عن الجوف، وضع عنوان الكتاب :(الجوف وادي النفاخ) وهذا الكتاب متوفر في مختلف مكتبات المملكة، وقد كان لي شرف المشاركة فيه.

- في منطقة نجران، كنت مع الصديق فوزي الصفوري، (أبو تامر) ببلدة الموفجة، غرب مدينة نجران، يقول لي أم تامر شاهدت جارتها اليامية، أن أم تامر يوم تطبخ خبيزة، يوم ملوخية، يوم سبانخ، فعلقت عليها جارتها مازحة بالقول، أنتم يا أم تامر كالجراش (تقصد كالأغنام) تحبوا أكل الأعشاب.
وهناك حكاية فلسطينية تشبه النكتة مفادها أن الزوجة طبخت لزوجها أول يوم ملفوف، ثاني يوم ملوخية، ثالث يوم
سبانخ، رابع يوم سألها شو طابخة؟ قالت له طابخة خبيزة،
قال لها الزوج: مش محتاج طبيخك، انا طالع أرعى مع الأغنام!
وهذا يوافق ما قالته السيدة اليامية في نجران لجارتها أم تامر.
- أثناء عملي مديرًا عاما لجمعية البر الخيرية بالجوف، وبعد أن أكملنا مخططات مشروع مبنى مركز رعاية وتأهيل الأطفال ذوي الإعاقة، وقررنا طرح المشروع في مناقصة، جاءتنا فكرة أن نشكل فريق عمله من مهندسي منطقة الجوف، في القطاعين العام والخاص، لمراجعة المخططات الإنشائية والمعمارية للمشروع، وبعد عدة جلسات وحوارات ساخنة، تم تعديل ما نسبته 25% من المواصفات المعمارية والانشائية، فكان هذا درسا بفيد بأن تصويب المواصفات على الورق أسهل ألف مرة من تصويبها على الكتل الخرسانية، وهذا أمر ضروري أيا كانت جهة إعداد المخططات، فالكمال لله وحده.
وإمعانا في الصراحة، عندما تم توقيع عقد المشروع مع المقاول، لاحظت أنني كمدير للجمعية أردني الجنسية، وممثل المقاول سوداني الجنسية، وممثل الاستشاري المشرف مصري الجنسية.

صارحت صديقي العزيز المهندس شريدة فرحان الشريدة، مدير عام فرع وزارة الأشغال العامة والإسكان بالجوف، أنني كمدير للجمعية لست مؤهلا من الناحية الهندسية، لكي أوقع على مستخلصات للمقاول، ولأنه مع احترامي للجميع أطراف العلاقة في المشروع غير سعوديين.
واتفقنا بمباركة معالي أمير منطقة الجوف آنذاك، الأمير سلطان بن عبد الرحمن السديري، تكليف المهندس شريدة مشرفا عاما على المشروع، والحمد لله سارت أمور تنفيذ المشروع على أفضل ما يكون.



