مقالات

طبقٌ شعبيٌّ على مائدةٍ مخملية

1 / 100 نتيجة تحسين محركات البحث

محمد الرياني

أعترفُ بأنني من الرِّيفِ أصحو مبكرًا قبل أن تطلعَ الشمس، أستمتعُ بصوتِ الدِّيكِ وكأنه أجملُ صوتٍ طَرَبيٍّ يمرُّ على أذني، تبهجني رؤيةُ شاتِنا الجَميلةِ وهي ترضعُ صغيرَها لدرجةِ تمنيتُ أنني ما زلت رضيعًا يستمتعُ كما صغيرِ الشاةِ البريء، وأغمسُ قدميَّ كي تبردَ من ماءِ الجَرَّةِ التي امتصَّتْ من هدوءِ الليلِ برودته لأستمتعَ في الوهجِ  بينما الشمسُ تسطعُ على فنائنا.

يعجبني طبخُ أميِّ الشَّعبيِّ المكونِ من قطعِ اللحمِ والمرقِ وفُتاتِ الضُّلوعِ الصغيرةِ والبهاراتِ مع الخبزِ الأحمرِ الذي جادتْ بها سنابلُ حقلنا بعد موسمِ حصادٍ فاتن، لم أكن أتصوَّرُ عندما كبرتُ ونبتَ شاربي أن تدعوني سيدةٌ من بيئةٍ مُرفهةٍ إلى طعامٍ مخملي.

 لم أكن أجيدُ الاسترخاءَ على الكراسي في المطاعمِ الفاخرةِ وأنا الذي اعتدتُ الجلوسَ على الترابِ متفيئًا تحت ظلِّ شجرةِ أثلٍ جلبناها من الوادي وغرسناها في دارنا.

لا ألتفتُ للنملةِ السوداءِ التي تشاركنا الطعامَ وهي تقتنصُ الفُرصَ لتصعدَ على قدمي وتمتصَّ من وريدي بعضَ طعامي.

 طلبتْ مني السيدةُ المخمليةُ يومًا أن أكونَ مخمليًّا مثلها، أستعملُ الشوكةَ والسكِّينَ والملعقةَ وأستعيضُ بيدي اليسرى إذا لزمَ الأمرُ وأضعها في فمي.

 كان جوُّ المطعمِ رائعًا بالفعل ولكنه لا يناسبُ قرويًّا مثلي يمسحُ كفَّيْه على جانبي إزارِه بعد أن يشبع ، ولكني تحمستُ فيما بعد  لدعوتها إلى طبقٍ شعبيٍّ مكوَّنٍ من مرقةِ ديكٍ بلدي مع لحمه وشيءٍ من التوابلِ والتمرِ هندي ، فرحتُ وهي تلبي دعوتي وتجلسُ كما أجلسُ على الأرض.

 كنتُ سعيدًا بتواضعها وأنَّ الأرضَ تجمعُ كلَّ المتناقضات ، بعد مُدَّةٍ دعتْني من جديد ، كانت المفاجأةُ أنَّ المطعمَ الذي دعتْني إليه للقرويين أمثالي وأنَّ الوجبةَ منصوبةٌ على الأرضِ وبها رائحةُ البهاراتِ وتصطبغُ بلونِ التَّمرِ هندي وقد تحلقتْ حولها أرغفةُ خبزِ الدقيقِ.

 نظرتُ إليها والبِشْرُ يتهللُ من وجهها، قالت لي:

إنَّ الأرضَ التي تصنعُ الرفاهيةَ هي الأرضُ ذاتُها التي تجعلُ من صياحِ الديَكةِ وماءِ الجرَّةِ الباردِ وملامحِ القرويين طعمًا للسعادةِ

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com