مقالات

حراس الذاكرة الإسلامية .. قصة مكتبات الحرمين الشريفين

49 / 100 نتيجة تحسين محركات البحث

عبدالله آل سالم القحطاني
alamhar@hotmail.com

في إحدى القاعات الهادئة بمكتبة المسجد الحرام، ترقد مخطوطة تجاوز عمرها تسعة قرون. بهت لون أوراقها، لكن كلماتها ما زالت تنبض بالحياة، شاهدة على رحلة طويلة قطعتها بين أيدي العلماء والنساخ حتى استقرت في بيئة تحفظها بأحدث التقنيات. إنها ليست مجرد مخطوطة قديمة، بل رمز لمسيرة علمية بدأت مع أول كلمة نزل بها الوحي: ﴿اقْرَأْ﴾.

فمنذ فجر الإسلام، لم يكن المسجد الحرام والمسجد النبوي مكانين للعبادة فحسب، بل كانا أيضاً منارتين للعلم، احتضنتا حلقات القرآن والحديث والفقه واللغة، ومنها انتشرت المعرفة إلى أنحاء العالم الإسلامي. ومع ازدهار هذه الحركة العلمية، بدأ العلماء والأمراء والمحسنون يوقفون كتبهم لخدمة طلاب العلم، فنشأت خزائن الكتب التي تطورت مع مرور الزمن إلى مكتبات الحرمين الشريفين، لتصبح من أهم المكتبات الإسلامية في حفظ التراث وخدمة الباحثين.

download 1

وتعود جذور مكتبة المسجد الحرام إلى القرن الثاني الهجري، حين بدأت تتشكل خزائن الكتب في العصر العباسي، ثم نمت بفضل نظام الوقف العلمي الذي رفدها بآلاف المؤلفات من مختلف أنحاء العالم الإسلامي. أما مكتبة المسجد النبوي، فقد ارتبطت بتاريخ المسجد الذي كان أول مدرسة في الإسلام، ورغم ما تعرضت له خزائنه من حريق وأحداث عبر التاريخ، فإن العناية بالكتب استمرت حتى أعيد تنظيم المكتبة في العصر الحديث لتغدو مركزاً معرفياً متكاملاً.

واليوم تضم مكتبة المسجد الحرام أكثر من 160  ألف عنوان ، وما يزيد على 8500  مخطوطة أصلية ، إضافة إلى عشرات الآلاف من المخطوطات الرقمية والمصورة، بينما تضم مكتبة المسجد النبوي نحو 170  ألف كتاب وآلاف المخطوطات والمصاحف النادرة، إلى جانب قاعات للباحثين ومكتبات رقمية وصوتية وخدمات علمية متخصصة.

ولا تكمن أهمية هذه المكتبات في حجم مقتنياتها فحسب، بل في قيمة ما تحتفظ به من كنوز علمية، تشمل مصاحف مخطوطة، ونسخاً نادرة في التفسير والحديث والفقه واللغة والتاريخ والطب والفلك والرياضيات، وبعضها لا توجد منه سوى نسخة واحدة، مما يجعلها جزءاً من الذاكرة الحضارية للأمة الإسلامية.

وحظيت مكتبات الحرمين الشريفين بعناية كبيرة في المملكة العربية السعودية، انطلاقاً من أن خدمة الحرمين تشمل الحفاظ على إرثهما العلمي إلى جانب رعاية قاصديهما. وشهدت العقود الأخيرة مشاريع تطوير شملت تحديث المرافق، وإعادة فهرسة المقتنيات، وإنشاء قواعد بيانات إلكترونية، وإطلاق المكتبات الرقمية، وتوفير بيئات بحثية حديثة، بما يتوافق مع أفضل الممارسات العالمية في إدارة المعرفة.

ومن أبرز هذه الجهود برامج ترميم المخطوطات، التي تبدأ بفحص كل مخطوطة وتقييم حالتها، ثم تنظيفها وتعقيمها لحمايتها من الفطريات والحشرات، قبل ترميم الصفحات المتضررة باستخدام ورق ياباني ومواد أرشيفية خالية من الأحماض، ثم تجليدها وفق أساليب علمية تحفظ أصالتها، وأخيراً تصويرها رقمياً وإتاحتها عبر قواعد البيانات، بما يحد من تداول النسخ الأصلية ويضمن بقاءها للأجيال القادمة.

ولم يقتصر التطوير على الحفظ والترميم، بل امتد إلى التحول الرقمي، حيث أصبحت آلاف الكتب والمخطوطات مفهرسة إلكترونياً، وأتيح جزء كبير منها للباحثين عبر المكتبات الرقمية، مع الاستفادة من أحدث تقنيات إدارة المعرفة، بما يعزز الوصول إلى التراث الإسلامي ويواكب مستهدفات رؤية المملكة 2030 في صون التراث الثقافي ونشره.

وتجسد مكتبات الحرمين الشريفين اليوم نموذجاً فريداً يجمع بين أصالة الماضي وتقنيات المستقبل؛ فهي تحفظ مخطوطات كُتبت قبل مئات السنين، وتديرها بأحدث وسائل الرقمنة والفهرسة والحفظ، لتؤكد أن الحرمين الشريفين لم يكونا عبر التاريخ موطن العبادة فحسب، بل كانا أيضاً منارة للعلم، وحاضنة للمعرفة، وبين رفوف هذه المكتبات لا تحفظ الكتب وحدها ، بل يصان تاريخ أمة ، وتروى حكاية حضارة آمنت بأن بناء الإنسان يبدأ ببناء المعرفة .وذاكرة حية لحضارة بدأت رسالتها وما زالت تواصلها حتى اليوم.

 

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com