وطنٌ يسكنني
أميمة عبدالعزيز زاهد
في كل عام، حين يأتي اليوم الوطني، تمتلئ الشوارع بالأعلام، وتتزين البيوت والميادين باللون الأخضر، وتتسابق الكلمات في التعبير عن الحب والفرح والفخر. وهي مشاعر جميلة وصادقة، لكن حب الوطن أكبر من أن يبقى كلمات نقولها في مناسبة، فهو شعور يكبر معنا، ويتغير مع مراحل العمر.
في طفولتنا، كان الوطن هو البيت والشارع والمدرسة، وصوت النشيد الذي نردده بحماس، دون أن ندرك تمامًا كل ما تحمله كلماته من معنى.
ثم كبرنا… وكبر معنا معنى الوطن.
أصبح الوطن ذاكرة عمر، ووجوهًا أحببناها، وأيامًا عشناها، وأحلامًا تحققت، وأخرى ما زلنا ننتظرها. ولم نعد ننظر إليه باعتباره المكان الذي نعيش فيه فقط، بل المكان الذي يعيش فينا؛ فيه حكايات آبائنا وأمهاتنا، وخطوات أبنائنا، وأحلام أحفادنا.
وأنا ممن كبروا وهم يشاهدون وطنًا يتغير أمام أعينهم؛ رأيت كيف اتسعت مدنه، وكيف كبرت أحلام أبنائه وبناته، وكيف أصبح ما كان يبدو بعيدًا بالأمس واقعًا نعيشه اليوم. أمور كثيرة كانت يومًا مجرد أمنيات أصبحت واقعًا، وأبواب لم تكن موجودة فُتحت، وطموحات كان الوصول إليها صعبًا أصبحت اليوم في متناول أجيال جديدة.
وأكثر ما يسعدني أن أرى أبناء وبنات هذا الوطن وقد أصبحت أحلامهم أكبر، ومساحات مشاركتهم أوسع، وقدرتهم على الإنجاز وإثبات الذات حاضرة في ميادين كثيرة.
لكن كل حق نحصل عليه، وكل فرصة تُمنح لنا، لا بد أن يقابلها واجب. ومن هنا أرى أن أجمل احتفال بالوطن لا ينتهي بانتهاء اليوم الوطني، بل يبدأ منه.
أن نحب وطننا يعني أن نتقن أعمالنا، وأن نحافظ على ممتلكاته كأنها ممتلكاتنا، وأن نحترم أنظمته، وأن نربي أبناءنا على أن ما يحصلون عليه ليس حقًا بلا مقابل، وإنما أمانة تستوجب منهم العمل والعطاء.
حب الوطن أن يكون الطبيب أمينًا مع مريضه، والمعلم مخلصًا مع طلابه، والموظف حريصًا على مصالح الناس، والتاجر صادقًا في تجارته، والإعلامي مسؤولًا عن كلمته، وأن يؤدي كل إنسان دوره من موقعه دون أن يستصغر أثره.
فالأوطان لا يبنيها شخص واحد، ولا مؤسسة واحدة، وإنما تبنيها ملايين الأيدي حين تعرف أن لكل يد منها دورًا.
وقد علّمتني السنوات أن الوطن يصبح أغلى كلما تقدم بنا العمر؛ لأننا لا نعود نراه مجرد أرض وُلدنا عليها، بل تاريخًا عشناه، وذكريات نحملها، وأمانًا أدركنا قيمته، ومستقبلًا نريده أكثر جمالًا لمن سيأتي بعدنا.
ولهذا فإن فرحتنا بيومنا الوطني لا ينبغي أن تكون مجرد احتفال بما تحقق، وإنما عهدًا متجددًا بأن نحافظ على ما تحقق، وأن نشارك في بناء ما لم يتحقق بعد.
ومن حقنا أن نفخر بوطننا، ولكن الأجمل أن نكون نحن أيضًا ممن يفخر بهم الوطن؛ فحب الوطن لا يحتاج إلى كثير من الكلام، بقدر ما يحتاج إلى صدق الانتماء، وإخلاص العمل، وأثرٍ جميل نتركه للأجيال القادمة.
وكل عام وأنت يا وطني…
أرضٌ تسكنني، قبل أن أكون أنا من يسكنها.
حفظ الله المملكة العربية السعودية، وأدام عليها أمنها وعزها واستقرارها، وحفظ قيادتها وشعبها، وجعل القادم من أعوامها أجمل وأعظم



