مقالات

رواية «على أطراف الأصابع».. المرأة الفلسطينية بين قهرين.

كتب: هاني الحجي

306a6f76 0415 45e2 a512 26c16955cfa4

تقترب الروائية الفلسطينية ميرفت أبو العينين في روايتها «على أطراف الأصابع» الصادرة عن دار المصري للنشر والتوزيع من الحياة الفلسطينية بتفاصيلها اليومية، وترصد حياة المرأة وهي تواجه قهرين؛ قهرًا تفرضه العادات والتقاليد داخل مجتمعها، وآخر يفرضه الاحتلال على الإنسان والأرض.

تظهر هذه المعاناة من خلال شخصيتي (خضرة وفرحة)، وما تعيشانه من صراعات تكشف نظرة المجتمع إلى المرأة وجسدها، وكأن قيمتها مرهونة بما يقرره الآخرون عنها.
“تنتظر أسرة رشاد أن ترى انتصار فحولة ابنهم، وتنتظر أسرة صفية الدليل على عذرية ابنتهم؛ ليكون لها بمثابة انتقام”.

3ec47985 3c90 4390 9f7e d72419da3ca4
تكشف الرواية عن مفارقة مؤلمة؛ فالجسد الذي يفترض أن يكون شأنًا خاصًا بالمرأة، يتحول إلى مساحة للمراقبة والحكم عليها، كما تتحول الأرض المحتلة إلى ساحة للصراع. وتأتي عبارة الكاتبة لتختصر جانبًا من معاناة المرأة:
“أن تكوني أنثى ليس بالأمر الهين إطلاقًا، فجسدك منقوش عليه منذ الطفولة بالممنوعات المحظورة، وهو قبل ذلك جسد مؤسس تاريخيًا بكل قوانين التحريم”.
من جانب آخر تجسد خضرة جانبًا من التحولات التي تعيشها المرأة الفلسطينية داخل مجتمعها، وهي تحاول تجاوز القيود والتصالح مع ذاتها.
“قبل عام لم يكن في إمكان خضرة على الإطلاق أن تحضر مجالس الكبار في ذلك المجتمع النسوي، كانت تهوي بحفرة بعيدة القعر تعيش بين عالمين مختلفين، عالم يحكمه العادات والتقاليد، وعالم تتصالح فيه كل امرأة مع ذاتها، وتتحرر من معتقداتها المهترئة، وبين الصراعات النفسية الداخلية التي تخلد في نفس كل امرأة منهن”.
يكشف هذا المقطع عن الصراع الذي تعيشه المرأة مع الموروث الاجتماعي، ومحاولتها البحث عن مساحة أوسع لحياتها واختياراتها. وهي تواجه بذلك قيودًا اجتماعية من داخل مجتمعهاإلى جانب ما يفرضه الاحتلال من قهر على حياتها وحياة أسرتها وشعبها.
لا تقف الرواية عند القهر الاجتماعي الذي تعانيه المرأة، بل تتناول أيضًا القهر الذي يعيشه الفلسطيني تحت الاحتلال من خلال الأحداث المرتبطة بدير ياسين، التي تحضر بوصفها ذاكرة فلسطينية تختزن الألم والمقاومة والتمسك بالأرض.
كما تصفها الرواية:
“تزينت دير ياسين بأجمل الحلل، واعتنقت الجمال، وارتدت البلدة فستان الفرح كأنها عروس بثوبها الأبيض النقي الوهاج”.
تبدو (دير ياسين) هنا مكانًا له روحه وذاكرته، وبلدة تنبض بالحياة ويتمسك أهلها بها رغم الأخطار.
مايميز الرواية برأيي أن الكاتبة لا تفصل المقاومة عن تفاصيل الحياة اليومية؛ فهي تدخل البيوت، وترصد أحوال الأسر وعلاقاتها الاجتماعية، وتقدم المقاومين بشرًا لهم مشاعرهم وأمنياتهم، يعيشون الخوف والمواجهة وفي نفس الوقت يتمسكون بالأمل.
تلتقي في الرواية المرأة والمقاومة في معنى واحد؛ فكلاهما يحمل ذاكرة من الألم ويحاول الاحتفاظ بحقه في الحياة، فالمرأة تسعى إلى التحرر من القيود الذكورية التي تحاصرها، والمقاومون يتمسكون بأرضهم رغم الاحتلال.
أخيرًا رواية «على أطراف الأصابع» لا تكتفي بتناول القضية الفلسطينية من خلال المواجهة والمقاومة، لكنها تذهب إلى تفاصيل حياة الناس، وما يعيشه المجتمع الفلسطيني من تحولات وصراعات، حيث تتداخل حياة المرأة مع ذاكرة المكان، وتبقى حكاية الإنسان بما يحمله من ألم وأمل جديرة بأن تُروى.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com