مقالات

جدلية الثبات والتحوّل: مقاربة نقدية ثقافية في رواية «شيفرة قسمة» لعبد الله النصر

بقلم: أ. الدكتورة وسام علي الخالدي

تنهض رواية «شيفرة قسمة» للكاتب عبد الله النصر على جدلية دلالية تتجاوز حدود التعارض بين الثبات والتحوّل بوصفهما حالتين متقابلتين، لتكشف عن صراع أعمق بين سلطة الموروث وقدرة الذات على إعادة تأويله، وبين الأعراف التي تسعى إلى تثبيت أنماط السلوك الاجتماعي والإرادة الفردية التي تطمح إلى تجاوزها. ومن هذا المنظور، لا يتحدد الصراع في الرواية من خلال المواجهة بين الشخصيات وحدها، بل يتسرّب إلى المكان وطقوسه، وإلى اللغة الشعبية وأمثالها، وإلى الذاكرة الجمعية التي تحتفظ بتصورات المجتمع عن المرأة والعبور والمصير. وبذلك تتحول الرواية إلى فضاء تتفاعل فيه الأنساق الثقافية والاجتماعية، ويغدو السرد وسيلة للكشف عن آليات إنتاج السلطة وتوارثها، كما يغدو مجالًا لاختبار إمكانات التغيير من داخل الثقافة نفسها.

وتنبع أهمية هذه الجدلية من أن الثبات في الرواية لا يُقدَّم بوصفه سكونًا بريئًا أو استقرارًا محايدًا، بل يرتبط، في بعض تجلياته، بسلطة الأعراف حين تتحول من مرجعية تنظم الحياة الاجتماعية إلى قوة تفرض على الفرد مسارًا محددًا سلفًا. وفي المقابل، لا يظهر التحوّل باعتباره انقلابًا عابرًا على الموروث، وإنما بوصفه وعيًا يتشكل تدريجيًا، ويعيد النظر في العلاقة بين الإنسان وما ورثه من تصورات وممارسات. ومن هنا تتأسس قيمة الرواية على مساءلة الحدود الفاصلة بين الوفاء للذاكرة والخضوع لها، وبين الانتماء إلى الجماعة والتنازل عن حق الذات في الاختيار. فالموروث، وفق هذا الأفق، ليس كتلة مغلقة لا تقبل المراجعة، كما أن التغيير لا يتحقق بمجرد رفض الماضي؛ بل يتطلب قدرة على قراءة رموزه، وفهم آليات تأثيره، وإعادة تحديد موقع الفرد داخله.

وتتجلى هذه الرؤية منذ البدايات التي تستحضر حالة من السكون المشحون بالدلالات، حيث تتضافر العلامات المكانية والرمزية لتشكيل عالم يبدو محكومًا بقواعد راسخة يصعب الخروج عليها. فـ«التبارة» المتعرجة، والنخيل الصامت، وما يحيط بالبدايات من إيحاءات تنذر بما سيأتي، لا تؤدي وظيفة وصفية فحسب، بل تسهم في بناء مناخ سردي يربط المكان بذاكرة الجماعة وبما استقر فيها من تصورات عن النظام والمصير. وتكتسب هذه العناصر أهميتها من الطريقة التي تُدرج بها في سياق الرواية؛ إذ يتحول المكان من إطار للأحداث إلى حامل لآثار الماضي، ومن فضاء مألوف إلى علامة على استمرار سلطة الأعراف في تشكيل الحاضر.

وفي هذا السياق، يمكن قراءة السكون المهيمن بوصفه تمثيلًا سرديًا لثبات النسق الاجتماعي، لا بمعنى أن المجتمع يخلو من الحركة، وإنما بمعنى أن الحركة نفسها تظل محكومة بحدود مرسومة سلفًا. فالتكرار الذي توحي به العلامات المكانية، والإحساس بأن الأحداث تتجه نحو مصير متوقع، يهيئان لظهور الصراع بين ما تفرضه الذاكرة الجمعية وما قد تنشئه الذات من احتمالات مغايرة. وهنا تتداخل دلالة المكان مع دلالة الزمن؛ فالماضي لا يظهر بوصفه زمنًا انقضى وانفصل عن الحاضر، بل بوصفه قوة تستمر في توجيه السلوك، وتعيد إنتاج نفسها من خلال الطقوس والتوقعات الاجتماعية.

ومن ثم، يصبح التحوّل رهين القدرة على كسر هذا التكرار، أو على الأقل الكشف عن طبيعته وإخضاعه للمساءلة.

ويبلغ هذا التوتر ذروته في مشهد زفاف قسمة، حين تُفرش المشاية الحمراء الداكنة، التي يرد في النص أنها أقدم من معظم البيوت، فتغدو جزءًا من طقس يتجاوز معناه الاحتفالي الظاهر. إن امتداد عمر المشاية، بحسب الصورة التي تقدمها الرواية، يمنحها دلالة تتصل باستمرارية الموروث وبسلطته الرمزية؛ فهي ليست قطعة مادية تُفرش لعبور العروس فحسب، بل تحمل في قدمها إيحاءً بتاريخ اجتماعي يسبق الفرد ويضعه داخل نظام لم يشارك في تأسيسه. وهكذا يتخذ الزفاف، الذي يُفترض أن يكون انتقالًا إلى مرحلة جديدة من الحياة، صورة عبور محكوم بشروط الجماعة وتوقعاتها، بحيث تبدو قسمة، في القراءة الرمزية للمشهد، أقرب إلى موضوع للطقس منها إلى ذات تملك حرية تحديد مسارها.

وتتعمق هذه الدلالة حين تُصوَّر العروس بوصفها «قرابين تُقدَّم للأرض»، وهي صورة تنقل المشهد من مستواه الاجتماعي المألوف إلى أفق رمزي مشحون بالتضحية والإكراه. فالقربان، في دلالته الثقافية، يُقدَّم من أجل غاية تتجاوز إرادته الخاصة؛ وبذلك تستدعي الصورة سؤالًا عن موقع الفرد داخل الطقوس التي تمنحها الجماعة شرعيتها. ولا تتمثل أهمية هذا التعبير في غرابته التصويرية وحدها، بل في قدرته على كشف التناقض بين المظهر الاحتفالي للعبور وما قد ينطوي عليه من خضوع أو تضحية بالاختيار الفردي. ومن هنا يغدو مشهد الزفاف نقطة مركزية في بناء الجدلية الروائية؛ لأنه يكشف كيف يمكن للطقس الذي يبدو حاملًا للاستمرار الاجتماعي أن يتحول إلى أداة لإعادة إنتاج علاقات القوة.

غير أن هذا الثبات لا يظل مطلقًا؛ إذ تتدخل لحظة الانشقاق لتزعزع النظام الذي بدا مستقرًا. فعندما تثقل السجادة وتنشق، يتحول العنصر الذي كان يفترض أن يضمن العبور إلى علامة على تعذره، وينقلب مسار الطقس من الامتثال إلى الرفض. وتكمن القيمة الرمزية لهذا التحول في أن الاعتراض لا يأتي من قسمة وحدها، بل يتجسد، على المستوى التصويري، في المادة المكانية نفسها. فالسجادة التي كانت أداة للعبور تصبح عائقًا أمامه، والأرض التي بدا أنها تستقبل الطقس وفق قواعده الموروثة تتحول إلى فضاء يكشف هشاشة تلك القواعد. ويمكن قراءة هذا الانشقاق بوصفه تجسيدًا سرديًا لتصدع النسق الذي يستمد قوته من التكرار، وللحظة التي تظهر فيها حدود قدرته على فرض نفسه باعتباره نظامًا نهائيًا لا يقبل الاعتراض.

وفي هذا الموضع تكتسب عبارة قسمة: «أنا ببقى هنا، ماني رايحه» أهمية تتجاوز كونها رد فعل آنيًا على تعثر الطقس؛ فهي تمثل إعلانًا عن إرادة تعيد تعريف العلاقة بين الذات والمكان. فالعبور الذي كان يُراد له أن يكون انتقالًا مفروضًا يفقد شرعيته، ويصبح البقاء اختيارًا واعيًا، لا عجزًا عن الحركة. وبذلك تنقلب الدلالة التقليدية للحركة والسكون: فالمغادرة ليست بالضرورة علامة على التحرر، كما أن البقاء لا يعني الخضوع؛ إذ تتحدد قيمة الفعل بحسب علاقته بالإرادة والوعي. ومن هنا تنشأ المفارقة التي تمنح المشهد عمقه: قسمة تقاوم النظام لا بمغادرة المكان، بل برفض المعنى الذي أُريد للعبور أن يفرضه عليها.

وتتيح هذه اللحظة قراءة الشخصية من منظور نقدي ثقافي، بوصفها ذاتًا تحاول استعادة حقها في الاختيار داخل فضاء اجتماعي يسبقها بتوقعاته. فالتحول لا يتحقق هنا بإلغاء المكان أو محو الذاكرة، وإنما بإعادة التفاوض معهما؛ إذ ترفض قسمة أن تكون مجرد امتداد لطقس موروث، وتؤسس موقفها من خلال إعلان بسيط في لغته، حاسم في دلالته. وتنبع قوة العبارة من اتصالها بلسان الشخصية وبيئتها المحلية؛ فهي لا تستعير لغة خطابية مفارقة لعالم الرواية، بل تستمد فعلها الاحتجاجي من اللغة اليومية ذاتها. وهكذا يصبح القول الشعبي أو المحلي أداة لإعلان الاستقلال، ويغدو الصوت الفردي قادرًا على إحداث شرخ في الصمت الذي يحيط بالطقس.

وتتسع جدلية الثبات والتحول من المشهد الرمزي إلى بنية اللغة الشعبية، ولا سيما الأمثال الأحسائية التي توظفها الرواية في بناء دلالاتها. فالأمثال لا ترد بوصفها زينة لغوية تضفي على الحوار نكهة محلية، وإنما تؤدي وظيفة ثقافية وحجاجية، إذ تختزن خبرة الجماعة وتصوراتها عن السلوك والقوة والضعف، ثم تعود إلى الظهور داخل السرد لتدخل في صراع على تفسير الواقع. وتكمن أهمية هذا التوظيف في أن الموروث اللغوي لا يُقدَّم باعتباره صوتًا واحدًا متجانسًا؛ فالمثل الذي يستمد سلطته من شيوعه قد يتحول، في سياق آخر، إلى أداة لمساءلة السلوك الذي يدعي تبريره. وبذلك تصبح اللغة الشعبية ميدانًا تتقاطع فيه سلطة الجماعة مع إمكانات النقد من داخلها.

ويبرز هذا البعد في المثل: «اللي مالها رجال أتصيح يا رجال الله»، الذي يستدعي، في سياقه الثقافي، تصورًا يربط الحماية والقوة بوجود الرجل، ويجعل غيابه مدخلًا إلى الهشاشة أو الاستنجاد. ويمكن قراءة استحضار هذا المثل ضمن شبكة العلاقات الاجتماعية التي تواجهها قسمة، حيث تظهر التوقعات المتعلقة بموقع المرأة واحتياجها إلى الحماية بوصفها جزءًا من الوعي الجمعي. غير أن القيمة النقدية للمثل لا تُحسم بمعناه المعجمي أو تاريخه الشعبي وحدهما، بل تتحدد بالطريقة التي يوظفه بها السرد، وبموقعه من المواقف والشخصيات. فقد يعيد المثل إنتاج التصور الموروث، وقد يكشف حدوده أو يضعه موضع اختبار، تبعًا للسياق الذي يرد فيه.

أما المثل «اللي ما يعرف يرقص يقول الأرض مايلة»، فيفتح أفقًا دلاليًا يتصل بعلاقة الفرد بمسؤوليته عن الفعل؛ إذ ينقل موضع الخلل من الظروف الخارجية إلى قصور القدرة على التعامل معها. وفي ضوء الصراع الذي تقدمه الرواية، يمكن أن يضيء هذا المثل التفاوت بين من يواجه التحول بمحاولة فهم شروطه، ومن يعزو اضطراب الأمور إلى الخارج هربًا من مراجعة موقفه. ومع ذلك، فإن دلالته لا ينبغي أن تُختزل في مقابلة أخلاقية بسيطة بين الوعي والجهل؛ فالمهم هو بيان كيفية اندماجه في المشهد الروائي، وما إذا كان يفضح آلية تبرير الفشل أو يعرّي عجز بعض الشخصيات عن إدراك مسؤوليتها. وبهذا يصبح المثل أداة لتفكيك الخطاب الذي يحمّل الظروف وحدها مسؤولية الإخفاق، من غير أن يلتفت إلى قصور الذات أو جمود تصورها للعالم.

وفي هذا الإطار، يكتسب المثل «العود الخشن ينكسر» دلالة تتصل بمساءلة القوة حين تتحول إلى صلابة مفرطة لا تقبل التكيف. فالخشونة هنا ليست مجرد صفة مادية، بل يمكن أن تُقرأ رمزًا لأسلوب في التعامل يقوم على الإكراه وفرض الإرادة، من دون مراعاة لطبيعة الظروف أو لحدود القدرة على الاحتمال. وعندما يتصل هذا المثل بمشهد الرجال في «الدروازة»، وهم يحاولون فرض الهيمنة بالعصي والصراخ، يتشكل تقابل بين القوة التي تستند إلى الاستعراض والعنف، والقدرة التي تستمد فاعليتها من الوعي والتوازن. ولا يعني ذلك أن الرواية تقيم بالضرورة تقابلًا مطلقًا بين الرجال والنساء، بل إن القراءة الثقافية الأعمق تقتضي تحديد السلوك الذي يخضع للنقد: أهو العنف بوصفه وسيلة لفرض الطاعة، أم التصور الاجتماعي الذي يمنح بعض الشخصيات حق التحكم في مصائر الآخرين؟

وتتجلى خصوصية قسمة في أنها لا تواجه القوة الغاشمة بمحاكاتها، بل تقدم نمطًا مختلفًا من الفعل يقوم على التروي وضبط الحركة ومعرفة طبيعة المكان. فمشيتها المتأنية الموزونة، التي تحاور الأرض ولا تقسرها، تقيم علاقة مغايرة مع الفضاء؛ إذ لا تنطلق من فرض الإرادة عليه، بل من فهم شروطه والتعامل مع مقاومته. وهنا يتحول المشي إلى فعل رمزي يكشف عن اختلاف في تصور القوة ذاتها: فالقوة ليست بالضرورة إخضاع الآخر، وإنما قد تتمثل في القدرة على التوازن، وفي معرفة متى تتقدم الذات ومتى تتريث، وكيف تحافظ على اتجاهها من غير أن تستسلم للضغط أو تنزلق إلى العنف.

ومن هذا المنظور، تكتسب عبارة «شد الوثر زين» قيمة تتجاوز معناها المباشر، إذ يمكن قراءتها في سياق الرواية بوصفها إحالة إلى ضرورة إحكام العلاقة بين الحركة والأداة، وبين الإرادة وشروط تحقيقها. فالفعل الناجح لا يتأسس على القوة وحدها، وإنما على حسن التقدير والقدرة على إدراك ما يتطلبه الموقف. وتنسجم هذه الدلالة مع صورة قسمة التي تتعامل مع الأرض بحذر واتزان، فتتحول الحركة من مواجهة عمياء إلى ممارسة واعية. وهكذا تتشكل في الرواية مقاربة بديلة للسلطة، لا تقوم على الإكراه، بل على معرفة السياق، وعلى التفاعل مع مقاومة الواقع بدل إنكارها.

ويبرز المكان، في هذا المستوى، بوصفه طرفًا فاعلًا في تشكيل المعنى الثقافي. فالطين والأرض والسجادة والمشاية ليست مجرد عناصر مادية محايدة، بل تدخل في شبكة من العلاقات التي تربط الطقس بالهوية، والقوة بالضعف، والثبات بإمكان التحول. وعندما تتبدل استجابة الأرض أو تنشق السجادة، يصبح المكان وسيطًا سرديًا يكشف عن تصدع النظام الاجتماعي، ويمنح التحول صورة محسوسة. وتكمن أهمية هذه التقنية في أنها تجسد الصراع المجرد داخل أشياء يمكن إدراكها، فيغدو التوتر بين الأعراف والإرادة مرئيًا في حركة الجسد، وفي مقاومة المادة، وفي تعثر الطقس الذي كان يفترض أن يمر من دون اعتراض.

وعلى المستوى الدلالي، تتسع المواجهة بين الثبات والتحول لتشمل ما يمكن وصفه بتعارض النيات والممارسات؛ إذ تحضر صور «الطبخات» الفاسدة في مقابل الإرادة التي تسعى إلى استعادة حريتها، ويتصل ذلك بالمثل «برمة الشر ما تفوح». وتتيح هذه الصورة قراءة الفساد بوصفه حالة لا تنحصر في الفعل الظاهر، بل تتصل بما يتراكم في الداخل من نيات ومواقف، وما ينتج عنها من علاقات مختلة. فالبرمة، بما تختزنه من محتوى، تصبح قابلة لأن ترمز إلى باطن لا ينكشف مباشرة، فيما يستدعي فعل الفوح فكرة انكشاف المستور وظهور أثره. ومن ثم، يمكن أن ينهض المثل بوظيفة تكشف التناقض بين المظهر والباطن، وبين ما تدعيه الشخصيات وما تكشفه ممارساتها.

غير أن قراءة هذا المثل تقتضي الانتباه إلى السياق الذي يرد فيه؛ فليس كل ما يظل مستترًا دليلًا على فساد النية، كما أن الرمز لا يكتسب معناه من صورته وحدها. إن القيمة النقدية تنشأ من العلاقة بين المثل والأحداث التي يضيئها، ومن الطريقة التي يربط بها السرد بين السلوك والنتائج. وبذلك لا يصبح الموروث الشعبي حكمًا جاهزًا يُسقط على الشخصيات، بل أداة تأويلية تتيح قراءة تناقضاتها، ومساءلة ما إذا كانت أفعالها تنسجم مع أقوالها أو تكشف عن فجوة بين الظاهر والمضمر.

وتظهر الشخصيات المحيطة بقسمة، وفق الصور التي يقدمها النص، في حالات متفاوتة من العجز والانكسار والتردد، ويشار في هذا السياق إلى تعبيرات شعبية من قبيل «العورة العايب على أم زر» و«العوجة والمنكسرة». وتستدعي هذه التعابير ضرورة فحص اللغة التي تصف بها الجماعة أفرادها، وما تنطوي عليه من أحكام جاهزة قد تحاصر الشخصية في صورة ثابتة. فاللغة الشعبية لا تنقل الواقع فحسب، بل تسهم في تصنيفه، وتحديد ما يُعد قوة أو ضعفًا، وما يستحق القبول أو الرفض. ومن هنا، يمكن النظر إلى هذه التعبيرات بوصفها جزءًا من آلية إنتاج الأحكام الاجتماعية، حيث تتحول التسمية إلى وسيلة لتثبيت صورة الفرد، وتضييق المجال المتاح له لتغيير موقعه داخل الجماعة.

وفي مقابل هذه الشخصيات، تتشكل قسمة بوصفها ذاتًا تتجاوز موقعها الأول، وتعيد بناء علاقتها بالموروث من خلال الفعل والوعي. ويكتسب وصفها بأنها «حمال أسية» دلالة تتصل بما تتحمله من أعباء ومقاومة، وبقدرتها على الاستمرار في مواجهة الضغوط التي تحيط بها. لكن أهمية هذا التحول لا تكمن في تحويل البطلة إلى صورة مثالية خالية من التردد أو التعقيد، بل في إبراز مسار تشكل وعيها، وكيف تنتقل من موقع تُحدد فيه هويتها بواسطة الآخرين إلى موقع تسعى فيه إلى إعادة تعريف ذاتها. فالشخصية لا تتحرر بمجرد إعلان الرفض، وإنما عبر سلسلة من المواقف التي تكشف عن قدرتها على مراجعة ما فُرض عليها، والتمييز بين ما يمكن الاحتفاظ به من الموروث وما ينبغي مقاومته.

وتتعمق هذه الرحلة في ارتباط قسمة بالأرض التي تبدو، في بعض الصور السردية، رافضة لمن يجهل لغتها. فالمكان هنا ليس موضوعًا للسيطرة، بل فضاء يتطلب معرفة وحساسية وقدرة على الإصغاء إلى علاماته. ومن ثم، يمكن فهم التحول الذي تمثله قسمة بوصفه انتقالًا من علاقة تقوم على الخضوع لقواعد مفروضة إلى علاقة تقوم على إدراك شروط المكان والتفاعل معها. ولا يعني هذا أن الأرض تتحول إلى قوة أخلاقية مستقلة، بل إن السرد يمنحها وظيفة رمزية تُظهر نتائج التصرفات وتكشف التفاوت بين من يتعامل معها بوعي ومن يحاول إخضاعها بالقوة. وهكذا يغدو المكان مقياسًا سرديًا لطبيعة العلاقة بين الذات والعالم.

وتبلغ جدلية الثبات والتحول ذروتها في المشهد الختامي، حين لا تكتفي قسمة بفرش السجادة للآخرين، بل تسحب خيطها الأخير، فتفكك نسيجها وتترك كومة الخيوط وتمضي حافية نحو أفق النخيل. ويكتسب هذا المشهد قوته من عودته إلى العنصر المكاني الذي ارتبط في البداية بالطقس والإكراه؛ فالسجادة التي مثّلت مسارًا للعبور المفروض تتحول في النهاية إلى مادة تفككها البطلة بيدها. وبذلك لا يكون الختام منفصلًا عن البداية، بل يعيد تأويلها ويكشف التحول الذي طرأ على علاقة قسمة بالرمز المركزي في الرواية.

فإذا كانت السجادة في مشهد الزفاف أداة لتنظيم العبور وفق قواعد الجماعة، فإن سحب خيطها الأخير يعني، على المستوى الرمزي، تفكيك البنية التي منحت تلك القواعد صورتها المادية. ولا يقتصر الفعل على رفض استعمال السجادة، بل يمتد إلى نزع تماسكها، أي إلى التعامل مع النظام نفسه بوصفه نسيجًا قابلًا للفك وإعادة التشكيل. ومن هنا، يمكن قراءة الخيط باعتباره وحدة صغيرة تتضافر مع غيرها لتكوين بنية متماسكة؛ فإذا سُحب الخيط، أمكن كشف هشاشة ذلك التماسك وإظهار أن ما يبدو ثابتًا بطبيعته قد يستمد ثباته من استمرار عناصره في أداء وظائفها المقررة.

وتزداد دلالة المشهد حين تمضي قسمة حافية نحو أفق النخيل والحرية. فالحفاء يمكن أن يُقرأ بوصفه استعادة للاتصال المباشر بالأرض، وتخليًا عن الوسيط الذي فرضته الطقوس، بينما يفتح أفق النخيل صورة مستقبل لا تحدده الحدود ذاتها التي حكمت الماضي. ومع ذلك، فإن رمزية الحفاء لا تُختزل في معنى واحد؛ إذ تتحدد دلالته النهائية بما يحيط به من إشارات في النص، وبالعلاقة التي يقيمها السرد بين جسد الشخصية والأرض التي تمضي عليها. أما النخيل، بما يحمله من حضور في البيئة الأحسائية، فيربط نهاية الرواية بمرجعيتها المحلية، ويمنح صورة الحرية امتدادًا مكانيًا لا ينفصل عن الذاكرة التي نشأ الصراع في داخلها.

وتتأسس دلالة النهاية، تبعًا لذلك، على مفارقة مهمة: لا تتحقق الحرية عبر محو المكان أو التنصل الكامل من الذاكرة، وإنما عبر إعادة تحديد العلاقة بهما. فقسمة لا تغادر عالمها إلى فضاء مجهول منفصل عن جذورها، بل تتجه نحو أفق يظل متصلًا بالأرض والنخيل. وهذا ما يمنح التحول بعده الثقافي؛ إذ لا يبدو انتصارًا للفرد على الثقافة في صورتها الكلية، بل محاولة لفك الارتباط بين الثقافة والهيمنة، وبين الموروث والتسليم المطلق. فالموروث يمكن أن يكون ذاكرة تمنح الإنسان جذوره، كما يمكن أن يتحول، حين يُغلق على تفسير واحد، إلى أداة لتقييد حاضره ومستقبله.

ومن هنا، يمكن قراءة الرواية بوصفها مساءلة للكيفية التي يتحول بها التاريخ الاجتماعي إلى سلطة حاضرة، حين تتوارث الجماعة طقوسها وأمثالها وتصوراتها من دون أن تخضعها للمراجعة. غير أن النص، في أفقه الرمزي، يفتح إمكانًا آخر، يتمثل في قدرة الفرد على إعادة قراءة هذه العناصر وإنتاج معنى جديد لها. فالأمثال التي تختزن خبرة الجماعة ليست بالضرورة قيودًا ثابتة؛ إذ يمكن أن تتحول إلى أدوات للنقد، والمكان الذي يحفظ آثار الماضي ليس بالضرورة سجنًا للذاكرة؛ إذ يمكن أن يصبح مجالًا لإعادة اكتشاف الذات. وبذلك تتجاوز جدلية الثبات والتحول ثنائية الرفض والقبول إلى سؤال أعمق عن شروط التجدد الثقافي من داخل الذاكرة نفسها.

وعلى هذا الأساس، تتجلى القيمة النقدية في «شيفرة قسمة» في الطريقة التي يربط بها السرد بين البنية الرمزية للمكان واللغة الشعبية ومسار الشخصية. فالسجادة والطين والنخيل والتبارة ليست عناصر منفصلة، كما أن الأمثال لا تؤدي وظائف معزولة عن الأحداث؛ إذ تتضافر جميعها في تشكيل شبكة دلالية تكشف عن الصراع بين سلطة العادة وإمكان التغيير. ويمنح هذا التضافر التحول بُعدًا جماليًا، لأن الفكرة لا تُطرح في صورة تقرير مباشر، بل تتجسد في مشاهد وأشياء وأقوال تتحرك داخل العالم الروائي، وتتيح للقارئ أن يستنتج العلاقة بين البنية الثقافية ومصائر الشخصيات.

ولا ينتهي أفق الرواية إلى نفي الثبات على إطلاقه أو الاحتفاء بالتحول بوصفه قيمة مطلقة؛ فالثبات قد يحفظ للذاكرة استمراريتها، كما أن التحول قد يفقد معناه إذا انفصل عن الوعي بشروطه. إن المسألة الأساسية تتمثل في التمييز بين ثبات يحمي المعنى ويصون الخبرة، وثبات يتحول إلى إكراه يمنع الفرد من الاختيار، وبين تحول يفتح المجال أمام تجدد الحياة، وتحول ينقطع عن جذوره ويفقد القدرة على فهمها. ومن هذا المنظور، تتأسس حرية قسمة على قدرتها على مقاومة ما يحاصر إرادتها، لا على محو كل ما يربطها ببيئتها وذاكرتها.

إن رواية «شيفرة قسمة» تتيح، في ضوء هذه القراءة، تأمل العلاقة المركبة بين الفرد والمجتمع، وبين الموروث والوعي، وبين المكان والهوية. فمن خلال تحول السجادة من رمز للعبور المفروض إلى نسيج قابل للتفكيك، ومن خلال انتقال قسمة من موقع الخضوع المتوقع إلى موقع الفعل الواعي، يعيد النص طرح سؤال المصير الإنساني داخل منظومة من الأعراف التي تبدو راسخة، لكنها ليست عصية على التغيير. وهكذا يصبح التاريخ الاجتماعي، في الأفق التأويلي للرواية، نصًا تتنازعه قوى الاستمرار والمراجعة؛ فلا يُقرأ بوصفه قدرًا نهائيًا، بل بوصفه بنية تتشكل من ممارسات البشر وتصوراتهم، ويمكن إعادة النظر فيها حين يمتلك الفرد شجاعة الوعي وقدرة الفعل.

وبذلك تتجلى جدلية الثبات والتحول في الرواية بوصفها مبدأ منظمًا لبنائها الدلالي، تتقاطع فيه الذاكرة الجمعية مع التجربة الفردية، ويتحول فيه المكان إلى حامل للصراع الثقافي، وتغدو الأمثال الشعبية مجالًا لإعادة إنتاج الموروث أو مساءلته. أما قسمة، فإن رحلتها لا تمثل انتصارًا فرديًا معزولًا فحسب، بل تكشف عن إمكان إعادة صياغة العلاقة بين الذات والنسق الاجتماعي، حين تتوقف الشخصية عن تلقي المعنى جاهزًا وتبدأ في إنتاجه من خلال الاختيار والمواجهة. ومن هنا، تنفتح الرواية على أفق إنساني أوسع، يؤكد أن الهوية ليست بنية مغلقة، وأن الذاكرة لا تكتسب قيمتها من قدرتها على تثبيت الماضي وحده، بل من قدرتها على الدخول في حوار مع الحاضر، وفتح الطريق أمام مستقبل أكثر اتساعًا للحرية والوعي.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com