ماجد الشبل وغالب كامل.. أصوات الماضي الجميل

بقلم : عبدالله آل سالم القحطاني
alamhar@hotmail.com
هناك أصوات، كلما عادت إلينا من تسجيل قديم، أعادت معها زمنًا كاملًا؛ وجوهًا غابت، وبيوتًا تبدلت، وأيامًا مضت ولم نكن نعرف، ونحن نعيشها، أنها ستصبح يومًا من أعز ما نشتاق إليه. وما إن تنبعث تلك الأصوات حتى نشعر كأن بابًا صغيرًا قد فُتح على الماضي، فنطل منه على أنفسنا كما كنا، وعلى أناس كانوا يشاركوننا تفاصيل الحياة، ثم أخذتهم الأيام واحدًا بعد آخر.
كان ماجد الشبل وغالب كامل من تلك الأصوات التي لم تكن تمر عبر شاشة التلفزيون فحسب، بل تدخل البيوت وتستقر في الذاكرة. عرفتهما أجيال من المشاهدين، وألفت حضورهما حتى غدا جزءًا من إيقاع الأيام، وموعدًا مألوفًا في أمسيات الأسر السعودية. ولم يكن أحد يتصور أن يأتي يوم تصبح فيه رؤيتهما في تسجيل قديم مناسبة للحنين، وأن يتحول الصوت الذي اعتدناه حاضرًا إلى أثر نستعيده كلما أثقلتنا غربة الزمن.
وُلد ماجد الشبل في دمشق عام 1935، لأب سعودي من عنيزة وأم سورية، واختير له اسم ماجد، فيما كان اسمه الرسمي محمد عبدالله محمد الشبل. بدأ تجربته الإعلامية في التلفزيون السوري، ثم عاد إلى المملكة في ستينيات القرن الماضي، ليشق طريقه في التلفزيون السعودي، ويصبح واحدًا من أبرز الأصوات التي ارتبط بها المشاهدون في سنوات التأسيس الأولى للإعلام المرئي.
لم يكن ماجد مجرد مذيع يتلو الكلمات من أمام الكاميرا؛ فقد امتلك لغة عربية رصينة، وأداءً هادئًا، وحضورًا يجمع الوقار والألفة. وإضافة إلى تقديمه نشرة الأخبار الرسمية، كان للشعر في تجربته مكان خاص، كما ظهر في برامج تركت أثرًا في ذاكرة المشاهدين، من بينها «شاعر وقصيدة» و«الميزان» و«حروف». ومع مرور السنوات، لم يعد حضوره مرتبطًا ببرنامج بعينه، بل صار مرتبطًا بصورة المذيع الذي يحترم الكلمة، ويمنحها وقتها، ويخاطب المشاهد من غير افتعال أو ضجيج.
ومن أكثر برامجه التصاقًا بوجدان الناس «أبناؤنا في الخارج»، ذلك البرنامج الذي فتح نافذة بين الطلاب السعوديين المبتعثين وأسرهم في الوطن. في زمن لم تكن فيه مكالمات الفيديو ولا وسائل التواصل التي تقرّب المسافات، كان ظهور الابن المغترب على الشاشة حدثًا تنتظره الأسرة، وصورة تحمل شيئًا من الطمأنينة إلى قلب أمٍّ طال انتظارها، وأبٍ يريد أن يرى ابنه ويسمع صوته، ولو لدقائق.
وكان ماجد يستهل مقدمة حلقات البرنامج بصوته الرخيم بأبيات حزينة، ترقرق الدموع في العيون، وتزيد من ألم الفراق، من قصيدة للشاعر خير الدين الزركلي :
العَينُ بَعدَ فِراقِهَا الوَطَنَا … لَا سَاكِنًا أَلِفَتْ وَلَا سَكَنَا
رَيَّانَةٌ بِالدَّمْعِ أَقْلَقَهَا … أَلَّا تَحُسَّ كَرًى وَلَا وَسَنَا
كَانَتْ تَرَى فِي كُلِّ سَانِحَةٍ حُسْنًا وَبَاتَتْ لَا تَرَى حَسَنَا
وَالقَلْبُ لَولَا أَنَّةٌ صَعِدَتْ أَنْكَرْتُهُ وَشَكَكْتُ فِيهِ أَنَا
لَيْتَ الَّذِينَ أُحِبُّهُمْ عَلِمُوا وَهُمْ هُنَالِكَ مَا لَقِيتُ هُنَا
مَا كُنْتُ أَحْسَبُنِي مُفَارِقَهُمْ حَتَّى تُفَارِقَ رُوحِيَ البَدَنَا
لم تكن هذه الكلمات مجرد استهلال أدبي؛ فقد كانت تختصر شعور الغربة، وما يتركه البعد في النفس من وحشة وحنين. وربما لهذا بقي البرنامج حاضرًا في ذاكرة من عاشوا تلك المرحلة؛ لأنه لم يكن يعرض وجوه الطلاب فحسب، بل كان يلامس مشاعر الأهل والأحبة، ويمنح المسافة البعيدة نافذة صغيرة يطل منها المحبون بعضهم على بعض.
ومع تقدم السنوات، واجه ماجد الشبل متاعب صحية صعبة، وتعرض لجلطات دماغية أثرت في مسيرته، حتى غاب عن الشاشة التي ألفه الناس عليها. ثم رحل رحمه الله في الرياض في 11 مايو 2016، تاركًا خلفه سيرة إعلامية جميلة، وصوتًا ظل مألوفًا في الذاكرة، كأن غيابه لم يستطع أن يمحو سنوات حضوره.
أما غالب كامل، فقد جاء إلى المملكة من فلسطين، وُلد عام 1941 في بلدة سيلة الظهر بمحافظة جنين، وبدأ رحلته الإذاعية في جدة عام 1384هـ. ومن هناك امتد صوته إلى جمهور واسع، عبر الإذاعة ثم التلفزيون، فكان واحدًا من الإعلاميين الذين صنعوا حضورهم بالتمكن من اللغة، والقدرة على الحوار، والاقتراب من المستمع والمشاهد من غير تكلف.
وفي حين كان مذيعا يقدم الأخبار الرسمية، ارتبط اسمه ببرامج متعددة، من بينها «أين الخطأ» و «من أنا» و«لمن الكأس» و «وجهًا لوجه». وفي تلك البرامج بدا غالب صاحب شخصية إعلامية مستقلة، لا يكتفي بإدارة الحديث، بل يسعى إلى أن يكون للحوار معنى، وللسؤال غاية. وقد روى في أحاديثه عن مواقف مهنية تمسك فيها بحق الناس في معرفة ما يتصل بشؤونهم، وعن تقدير تلقاه من الملك فهد رحمه الله، في دلالة على أن الإعلامي حين يؤدي عمله بجدية ومسؤولية، يستطيع أن يترك أثرًا يتجاوز حدود البرنامج الذي يقدمه.
ومن المشاهد التي بقيت عالقة في ذاكرة غالب كامل، تغطيته جنازة الملك فيصل بن عبدالعزيز رحمه الله عام 1975. كان عليه أن ينقل إلى الناس ما تراه عيناه في يوم حزين، وأن يجد الكلمات التي تليق بمصاب كبير، في لحظة تختلط فيها هيبة الحدث بثقل الفقد. وقد استعاد غالب من ذلك اليوم نداءه المؤثر: «يا أيها الإخوة.. ما للرياض اليوم حزينة ملتاعة في فقدان الفيصل…»؛ كلمات خرجت من قلب المشهد، ووصلت إلى الناس بما حملته من حزن وصدق.
وبحسب ما رواه غالب عن ذلك الموقف، قال له الأمير محمد بن عبدالعزيز بعد التغطية: «يا غالب أنت بكيتنا اليوم، والله بكيتنا من عباراتك». ولم تكن قيمة تلك اللحظة في العبارة وحدها، بل في قدرة الصوت الإعلامي على أن يكون شاهدًا على التاريخ، وأن ينقل إلى الناس مشاعر يوم لا يُنسى، فيظل جزءًا من ذاكرتهم بعد أن تطوي الأيام تفاصيله.
ومع أن ماجد الشبل وغالب كامل امتلك كل منهما شخصيته وأسلوبه، فقد جمعتهما مكانة صنعتها سنوات من العمل الإعلامي، وثقة جمهور اعتاد أن يراهما ويسمعهما في مناسبات وبرامج مختلفة. كانا من جيل منح المهنة شيئًا من هدوئه وانضباطه، وجعل من اللغة والحضور والاحترام أدوات للتواصل مع الناس. ولم يكن أثرهما محصورًا في البرامج التي قدماها، بل امتد إلى الزمن الذي عاشه المشاهدون معهما، وإلى الذكريات التي التصقت بأصواتهما.
رحل ماجد الشبل عام 2016، ثم لحق به غالب كامل في أغسطس 2022 رحمهما الله، وبقيت أصواتهما محفوظة في التسجيلات، وصورهما في أرشيف التلفزيون، وذكرياتهما في وجدان من عرفوهما أو نشأوا على برامجهما. لكن التسجيل، مهما بدا حيًّا، لا يعيد إلينا إلا الصوت؛ أما صاحبه فقد مضى، ومضى معه زمنه، كما مضى أولئك الذين كانوا يجلسون إلى جوارنا حين كنا نتابعهما، وربما كنا نظن أن أمامنا أعوامًا طويلة لنعيش معهم أمسيات أخرى.
وهنا يكمن الحزن الذي لا تقوله الصور ولا تحفظه التسجيلات: أننا حين نشتاق إلى ماجد وغالب، قد نكون في الحقيقة نشتاق أيضًا إلى أنفسنا في ذلك الزمن، إلى بيوتنا الأولى، وإلى آبائنا وأمهاتنا، وإلى وجوه كانت قريبة منا ثم فرّقتها الحياة أو غيّبها الموت. نشتاق إلى أيام لم نكن نعرف أنها تمضي إلى الأبد، وإلى لحظات عادية لم نمنحها ما تستحق من انتباه، لأننا كنا نظن أن الغد سيمنحنا منها المزيد.
رحم الله ماجد الشبل وغالب كامل، ورحم من كانوا معنا حين كانت أصواتهما تملأ بيوتنا. فما أقسى أن يبقى الصوت الذي ألفناه قادرًا على الوصول إلينا، بينما لا نستطيع أن نصل إلى صاحبه؛ وأن نسمع في تسجيل قديم نبرةً نعرفها جيدًا، ثم نلتفت حولنا فلا نجد من يشاركنا الذكرى كما كان يفعل ذات مساء.
هكذا يبقى الأثر؛ صوتًا لا يزال مسموعًا، وزمنًا لا يزال عزيزًا، وحنينًا يكبر كلما أدركنا أن بعض ما نشتاق إليه لن يعود، وأن أجمل الأيام قد تكون تلك التي عشناها مطمئنين، من غير أن نعرف أنها كانت في الحقيقة تودّعنا بهدوء.


