مقالات

أمنياتنا .. و”رياح المتنبي”

56 / 100 نتيجة تحسين محركات البحث

بخيت طالع الزهراني

..

(تجري الرياحُ بما لا تشتهي السفن)  ..

هذا شطر بيت للمتنبي، الشاعر العباسي العربي الشهير. والمتنبي .. كما قيل عنه هو: “مالئ الدنيا وشاغل الناس”، حياته حفلت بتجارب كثيرة، حلوة، وغنية، ومؤلمة.

كان كثير الأسفار والتنقلات، انطلاقا من الكوفة مسقط رأسه، فـ إلى الشام عند سيف الدولة، ثم الهرولة إلى مصر عند الملك كافور.

كما جالس وسمع وأسمع حشودا مختلفة من البشر، عجنته الحياة في مجمل مراحل حياته، واطلع على فلسفات الأمم، الأمر الذي أثمر عنده منتجًا أدبيًا شعريًا مختلفا، جعل منه شاعر المعنى والبلاغة، وصاحب العمق والحكمة وجزالة اللفظ.

وبيت الشعر كاملا هو:

(ما كل ما يتمنى المرء يُدركه … تجري الرياحُ بما لا تشتهي السفن ..)

.

بيت شعر، قرأناها وسمعناه وطربنا له، منذ بواكير أعمارنا، خلال دراستنا بالمرحلة المتوسط، فتشكلت في عقلنا الجمعي حالة تعلق واعجاب بذلكم الشاعر الألمعي العملاق.

.

وكذلك الحال تماما مع أمير الشعراء أحمد شوقي – ابن النيل – المصري الفخم، أعظم شعراء العربية في العصر الحديث، والذي بايعه الأدباء والشعراء في عصره على إمارة الشعر فلقب ﺑ «أمير الشعراء».

وإنا مع الرأي القائل بأن شوقي أعمق شعرًا، وأكثر رصانة من المتنبي.

في كل الأحوال فإن بلاغة وعمق المتنبي من خلال بيت الشعر السابق وغيره من أشعاره الكثيرة، تجعل الناس يؤمنون بفرادة شعره

.

ولعل مصداق ذلك أن أشعاره صارت تتردد وستظل .. بل وإن بعض مقاطع من شعره استحالت أمثلة دارجة على ألسنة الناس، كالذي قلناه هنا آنفًا (تجري الرياح بما لا تشتهي السفن)

ويقال “المثل/الشعر” أعلاه لمن تترصده الحياة بعثراتها، وتدفع به نحو منزلقاتها بين الفينة والأخرى – ومن منا قد سلم منها – ثم لا يجد السلوى إلا في الاعتصام بالله، ثم بما يراه ويسمعه من قصص مؤلمة لغيره.

.

أمنيات الحياة كثيرة، ورغباتها غزيرة، وزخرفها مغرٍ .. والإنسان خُلق من طمع، ولا يسدّ فمه سوى القناعة، والرضا بما تحت يديه، وإلا فانه سيظل نهبًا للقلق، وأمنيات أحدنا وإن كافح وكدح لن تتحقق حميعًا.

وثمة – في الواقع – شعرةٌ دقيقةٌ بين التطلع والطمع، بين الرغبة والعقبة ..والحصيفُ من استطاع أن يُقدّر تلك الشعرة بقدرها .. ويُكيّف حياته بينهما، كي “يريح دماغه”، ويكون أكثر توازنًا ومنطقية، وأقرب للنجاة.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com