الحُبّ … خارج الصندوق

بخيت طالع الزهراني
منذ البدء كان الحب … حتى قيل: أن الحياة هي الحب، وأن من ليس بين جوانحه حب، فإنه أي شيء إلا أن يكون شيئا …
حتى في عالم الحيوان ثمة حب، بل وحتى في عالم الجمادات .. أليس بيتك – وهو جماد – يعطيك الحب، فيألفك وتألفه … وطنك، ديرتك، أكوابك، سرير نومك، كلها تضخ لك الدفء، تعطيك الحب بذات القدر الذي أنت تمنحه إياها.
تلك مقدمة لابد منها …
.
في طفولتك تظل معلقا ومتعلقا بعيني أمك، تبكي، تتألم، فلا يعرف حاجتك ووجعك أكثر من أمك، تهدهدك النساء – جدتك، خالتك، عمتك – لكنك لا تطمئن إلا للمسات أمك، وللمعان عينيها، وصدح صوتها، ورائحة حضنها.
….
تكبر قليلا فيبدأ قلبك يستقبل نبضات قلب أبيك، ثم بقية الأسرة والرفاق – رفاق الطفولة.
ثم يبدأ أهلك في تعليق قلبك بالله، بالروحانيات، التي تصبح شطر غذائك، حيث مع الطعام المادي كغذاء للجسد، يكون الغذاء الروحي للنفس.
وفي مراهقتك تبدأ في ارسال إشارات من فؤادك لمن تستحسنه عيناك، ويهفو إليه قلبك.
.
ويظل الحب – بشتى تفريعاته وأقسامه – هو غذاؤك، الذي تحتاجه كبقية الأغذية الأخرى المادية والروحية
لكن المنشغلين بفلسفة الكتابة في الحب، توزعوا بين إي التوصيفات أقرب للحقيقة، في مسألة عاطفة الحب الجياشة .. أهي تلك الكامنة تحت رحى الواقع، أم أنها تلك الحالة من فانتازيا المستحيل والمتخيل؟
.
لكن ماذا عن “الحب الافتراضي” الذي يراه مجموعة من الناس، على أنه مجرد لعبة على قارعة الطريق، وفي أعطافه ما يمكن أن نسميه “تسليع العواطف”، في وعي الفرد عبر الإنترنت .. فيما آخرون يرون العلاقات الافتراضية قد استحالت تجربة مشاعر حية جديدة تعويضية عن شعور الحب الملموس حاضرًا.
.
أولئك ينطلقون من حقيقة صارت معاشة في الوقت الحالي، بعد أن تغلغل الإنترنت في حياة الناس بثبات، ليس كمصدر معرفة وحسب، وإنما مصدر اتصال وتواصل، أعاد للناس فرصة التلاقي من أقرب الطرق، وصار (س) من الصين يعقد صداقة مع (ص) من السويد مثلًا .. في تبادل معرفي وفكري وعاطفي …الخ.
.
الحب الافتراضي – عن بعد – صار أكثر من كونه وسيلة ترفيه، وأكثر من كونه محاولة لتجنب الوحدة، ولعله يتجاوز الشعور الافتراضي “الكمبيوتري” ويصبح حقيقة، وإن كانت حالاته قليلة طبقا للإحصائيات والخبراء. لكن مخاطره وسلبياته كثيرة … وبعضها مدمرة.
.
من خطورة الحب الافتراضي أن الشخص يقع في فخ صورة مثالية، اخترعها لنفسه لا تتوافق مع الواقع، إلى صورة تظل تنمو، ثم يخيب أمله بعد التواصل الحقيقي المباشر.
.
في كل الأحوال يظل الحب مسألة معقدة يمكن أن تقرأ من مقاربات مختلفة، علمية وتاريخية وسوسيولوجية وسيكولوجية؛ فثمة من يراه سهلا ميسورا وهناك من يتصوره عصيًا قاسيا …”كجلمود صخرٍ حطهُ السيلُ من علٍ”.
.
كثيرون سحرتهم فتنة الحب إلى حدٍّ غدوا معه يعذبون أنفسهم، وبعضهم عانى من نوعٍ من جنونٍ ما، وربّما حتى مرض مميت لا شفاء يرتجى منه، بسبب حالة من الارتباك في التعاطي معه.
.
وإلا فإن الحب أمرٌ حقيقيّ حتماً، يمكن بلوغه وحيازته متى ما عرفنا أن نشقّ طريقنا فيه وسط التيه الضبابي الميتافيزيقي، دون الارتهان للأساطير المضلِّلة.
…
بعض المشتغلين بفلسفة الحب قالوا: لكي تكون محبوبا، “أغسل قلبك” مع كل إشراقة صبح، اخرج للحياة بقلب أبيض، اشحن بطارية قلبك بمادة “نسيان” جراحات وتعكيرات الأمس.
بمعنى ليكن الحب بين الناس وفق فلسفة … “خارج الصندوق”.



