مقالات

ألبس بشتك …؟

فاطمة بنت عبدالله الدوسري

فعل الأمر لم يعدله أهميته كما مضى.. فإن لم يشنق من بدايته على كلمة “لا” .. ربما يأتي قبوله بعد رحلة حوارية مضنية، بين مد وجزر بين أب وابنه قد تتحول إلى جدل إن لم يكن هناك عقل رشيد يفض المجلس بحكمة.

ونحن في مجتمع متغير، بين الثانية والثانية من الصعب أن يفرض قرار غير قابل للنقاش، على جيل يحتاج للإقناع، لن يستجيب بسهولة للأوامر دون قناعة تامة

.. فمثلا نجد بعض الآباء – والأمر يندرج على الأمهات – في مواقف مشابهة، نجد أحدهم  يطلب من هذا الابن فعلًا لم يعتاده، وليد اللحظة وواجب التنفيذ، فقط من أجل أن يثبت للآخرين اكتماله.

مثلا أن يأمر ابنه الذي يتجاوز العشرين ارتداء البشت، لحضور زواج أحد الجماعة، لأن الجميع سيفعلون ولا يريد أن يجلب له “الفشيلة” بين أبناء جماعته .. فلا يكتمل مظهر الرجولة عندهم إلا بهذا الفعل، وقس على ذلك أمورًا أخرى.. من هنا ينشأ صراع كبير ربما نفسي داخل كليهما الأب والأبن، يكون عاملًا في اتساع رقعة الخلاف وعدم القبول، تؤسس لردات فعل أخرى.

عندما تخذلنا الفراسة في قراءة المشهد الذي نعيشه، نظل ندور في فلك أفكارنا ورؤانا الخاصة ونتقوقع عليها، ونعتقد أن العالم من حولنا سوف يرى ما نرى يوما ما، نتعمق في بحر الأماني السرابية مع امتداد الأيام.

‏فـ بيننا الآن من لا يعترف أن لكل زمان ظروفه الخاصة وقيمه وأفكاره وأولوياته وهويته، فما كان فعله جرمًا مشهودًا بالأمس، أصبح أمرًا عاديا في أيامنا هذه، وفي الغد ستختلف الأجندة ويرفض كل ما نراه ونفعله الآن، وهذا أمر طبيعي في ظل المتغيرات.

‏تكمن المشكلة التي تضر بنية الأسرة في الصراع بين الوالدين والأبناء، جيل عاش زمنه ويريد إعادة تدويره بنفس المواصفات والمقاييس، وجيل راكض في فضاء متجدد يرفض العودة إلا في حدود مختصرة جدا، تعتبر ثوابت؛ احترام الدين وطاعة الوالدين وما يرتبط بالهوية الوطنية.

الفجوة بين الجيلين نتيجة حتمية للتطور الاجتماعي البشري ، والتغيرات في نمط الحياة مع تقدم الزمن، فالصراع الذي يعيشه الشباب من كلا الجنسين من أجل بناء هويتهم الشخصية الخاصة، يصاحبها الكثير من نمو مشاعر القلق الاضطراب الفكري، لأن بناء الهوية واكتساب ملامحها، والوصول إلى الاستقرار والتوازن، مرحلة هامة يجب أن يفتح لها المجال، لكي تمر بهدوء أو على الأقل بلا خسائر نفسية كبيرة.

 وحتمًا يقع على الوالدين العبء الأكبر لرعاية هذه المرحلة وتفهمها، بما أنهما يملكان كفة العقل الراجح، وعليهما تجنب أي ردة فعل تزيد من اتساع هذه الفجوة، فالاعتراف باختلاف المعايير والثقافات والاهتمامات والأذواق وأسلوب الحياة لكل جيل. وعي يكتنز بالمعرفة والرغبة الجادة في بناء علاقة وطيدة، بين جيلين يسود بينهم سلام وود وتفاهم.

سنسمع “سمْ” “ولبيه” “وأبشر” من الأبناء عندما نؤمن ان القانون الذي يحكم حركة الزمان، له الفضل لما وصلنا له اليوم من تطور وتقدم بمشيئة الله.

الوصول إلى نقطة التفهم ينقلنا من مرحلة الخلاف، بين أبناء يعيشون الحاضر وينظرون إلى المستقبل، وآباء يعيشون الحاضر ويتحسرون على الماضي.

الفارق أن نتقبل زمنهم .. فمن يقول “سَمْ”، يسمع “لبيه”.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com