آراء و تدوينات

الفن يفسر الكون

هاجر شرواني

تمثل أسطورة بيجماليون الشرارة الأكثر تطايرا في الذهنية الأدبية، بل أصبحت فكرة ثقافية فائقة التأثير من خلال استحضار تأثير الفن على الفنان، والابداع على المبدع.

 مسرحية بيجماليون لتوفيق الحكيم طراز كتابي مميز على اعتبار أنه مزيج بين طريقتين في الكتابة الدرامية فمن ناحية هناك تركيز على الفكرة المحورية ومن ناحية أخرى التركيز على الشخصية المحورية فخرجت لنا بيجماليون بقناعة إنسانية مفادها:

– (البحث عن الكمال من خلال خلق النموذج الذي نريد).

– وفي اتجاه آخر قناعة مفادها: (الفن يفسر الكون والعكس صحيح)

 – وقناعة أخرى :(الفن والأدب يعيدان ترتيب علاقتنا مع الحياة)

– و(لماذا لا يدوم الجمال مع الزمن)

– أو (لماذا قاعدة التغير للأسوأ لا يطال إلا الجمال)

إذن بيجماليون هي مجموعة قناعات أراد أن يذكيها الكاتب على أنفاس لغوية وأدوات فنية إبداعية.

لجأ كاتبها إلى الأسطورة الإغريقية المعروفة المحفورة في أذهان الناس بنفس الاسم (بيجماليون)

ولو عدنا لغنى النص الأصلي والأسطورة التي تناولها كتاب كثرٌ وشعراء أقل لوجدنا أنها –أي الأسطورة- بحيرة واسعة علق كل كاتب فيها سنارته ليصطاد ما تخرجه من فوائد وفرائد. فكان برنارد شو أكثرهم اعجابا بهذا النص ومن ثم أعاد صياغته بطريقة مواربة بحيث لم يؤسس نصه المسرحي على نفس النسيج بل قارب الفكرة العامة للنص وخالف الخيوط الجانبية للنص وأما توفيق الحكيم وهو الكاتب الذي شغف بالنص فأخرج رائعته المسرحية بنفس الاسم وبنفس الخيوط الجانبية وبنفس الإطار العام وقد كان هو أقرب الكتاب مقاربة للأسطورة بنفس فكرتها ونسيجها. 

فقد عكست المسرحية دواخل ومجاهل نفسية الكاتب وموقفه تحديدا من المرأة: المرأة الجمال والكمال والمثال والعلاقة المحتدمة بينها وبين الرجل والجدلية اللانهائية (أنا أريدك فكيف تكون لي كما أريد!)

من خلال المسرحية سافر بنا توفيق الحكيم في رحلة ماتعة في فكرتها مخيبة للآمال في نهايتها فقد حاول توفيق الحكيم اثبات سطوة الرغبة في الكمال وعن طريق قصة النحات الفنان المحترف الذي توحد مع فنه ضد الحياة الواقعية الرتيبة فقرر أن يصب جميع خبرته وحرفيته في صنع تمثال واحد فريد يجمع فيه كل رغباته البصرية والمعنوية والروحانية والإنسانية والحسية كي يتصادق مع واقع كان يظن بأنه معقد.

 قرر أن يغير هو من هذا الواقع ويحيله حقيقة مرضية له فكانت وسيلته إلى ذلك كعادة البشر هي اللجوء للقوى الكونية الخارقة ليطلب منها بث الحياة في تمثاله الجميل والذي أطلق عليه اسم (جالاتيا (Galatia وطلب كذلك مساعدة تلك القوى في بناء علاقة تبادلية بينه وبين التمثال كزوجة وصديقة ظانا أن هذا الكمال الشكلي قادر على تطويع الكمال الروحي.

تعكس المسرحية كذلك علاقة الخالق بالمخلوق من خلال نموذج مكبر:(الإله والإنسان أو الخالق و المخلوق)، ونموذج مصغر:( الفنان وما يصنعه أو جالاتيا وبيجماليون الصانع والمصنوع) ومع تنامي أحداث المسرحية يتجلى دور الإرادة فإرادة الإله كانت أقوى من إرادة الإنسان ولكن إرادة الإنسان مع ما صنعه كانت ضعيفة بحيث لا قدرة للفنان على تصور واستشراف ردة الفعل لدى ما صنعه أو ردة فعل من حوله لفنه ولكن إرادة الإله واضحة قوية مؤثرة فحكمها عام ولا يقتصر على تصور الشكل فقط بل سلوك وعمل.

ولقد كنت أتمنى على توفيق الحكيم أن يخرج قليلا من إطار النص الأصلي ويضفي على نصه المستخرج فكرة جديدة بدون اسقاطات نفسية. أو كان بالإمكان أن ينسج بعض المبررات لصنع جالاتيا وخيانتها لزوجها بمعنى الموازنة بين الضعف والقوة في المسرحية.

وقد خطر لي مزاج عجيب في قلب الصورة بإطارها بمعنى ماذا لو كانت الأسطورة تحكي عن امرأة تبحث عن الكمال في الرجل ترى كيف ستكون المعادلة.

الحقيقة أن نصا كهذا قد فتح الأبواب جميعها على كل الأفاق وأتاح لكل كاتب مساحات من الخيال والمقال وهو ما حدث بالفعل عند الحكيم وغيره.

قسم توفيق الحكيم مسرحيته إلى أربعة فصول في حبكتين وصراعات متداخلة

ومنظر واحد بنفس المشاهد والديكور بنافذة كبيرة مطلة على غابة مزهرة مثمرة متشاجرة الأغصان مليئة بالطيور والبلابل وكأنها صورة تحكي الحياة.

نزعت مني هذه المسرحية وتلك الأسطورة أسئلة لا جواب لها، لأقيس ما نحن عليه في الواقع وأتأمل: ماذا لو كنا نستطيع خلق ما نريد، ومن نريد أن يكون حولنا؟؟!

هل مواصفاتنا فيمن نحب سيكتب لها الديمومة أم تغيرنا الظروف ومتاهات الحياة تقطع أنفاسنا فننسى ماذا نريد حين كنا في بداية المتاهة.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى