حرام وحرام وحرام

هاجر شرواني
في مجتمع بعض البشر الحكم الأول والأخير على شكليات بعينها، فإذا خرجت عنها كنت أنت الجاني والعاصي، والآثم بل ربما أنت المارق من الدين، المنسل من شريعة المسلمين، حتى وإن كنت على سجيتك.
رن جرس الجوال داخل جلسة نسائية ممتعة، كان يسودها المرح والحوارات الطريفة مع بعض الارهاق الذي بدت عليه بطلتنا-جراء الجهد المتواصل في العمل صباحا ثم مباشرة المنزل وأعباء الأسرة مساء-
وكانت نغمة الجوال عبارة عن موسيقى عالمية هادئة فقالت في براءة تامة وابتسامة فيها كثير من البِشر والاستئناس: الله الله خليها (وتقصد النغمة طبعا) خليها خلينا نروق أعصابنا قليلا ونشعر بهدوء وجمال هذا الإيقاع.
وما أن نطقت بهذه العبارة حتى طالعتها عيون بعض الحاضرات مكتوب في النظرات (كافرة-منحلة-لعوب…) حتى أفصحت إحداهن وقالت: كيف تقولين ذلك؟ الموسيقى حرام حرام.
دار بعدها الحوار الجدلي التالي، قالت بطلتنا: أنا لا أتعمد سماع الأغاني، ولكن لو صادفت مثلاً، هذه الرنة الهاتفية أذني فهل أجرمت في الاستماع لها وهل هذه الرنة تطرب؟
طيب حين أشاهد برنامجا ممتعا مفيدا تتخلله بعض الفواصل الموسيقية، هل يجب عليّ أن أتوتر بمجرد سماع هذه الفواصل وإن سهل غض الصوت فيها؟ هل الفاصل الموسيقي هذا سيطربني لدرجة محرمة؟
وهل وهل؟ تطوعت واحدة تتطاير من عينيها نظرات الشفقة والحزن قائلة: ألا تخافين أن يصب في أذنك النحاس المذاب يوم القيامة، ألا تخشين النار، ألا ترتعبين من العذاب؟ ما أقسى قلبك.
تطوعت الأخرى تكمل قائمة الرعب والتهويل: صدقيني هذه القساوة في قلبك هي نتيجة سماعك لهذه الموسيقى.
بادرت ثالثة: ما أحوجك إلى أن تصمين أذنك عن كل الحرام الذي سوف تسببه لك هذه الموسيقى. هناك قنوات ليس فيها موسيقى بتاتا؟، قالت لهن: ولكني كالنحلة أتنقل هنا وهناك وآخذ الفائدة من هنا وهناك ولو كان فيها موسيقى وإيقاعات هل أضع أصابعي على أذني لو مرة رن جرس هاتف أحدهم وأوصم بالجنون، مالكم كيف تحكمون؟
ما هذا التضخيم لفكرة الموسيقى وتحريمها المطلق هناك خلل ما في هذا المبدأ. نظرن لها ثم حوقلن وقلن الله يعينك، وربنا يهديك ويصلحك.
بعد فترة من الوقت صادفتْ بطلتنا إحداهن ممن استمتن في اتهامها بالكفر،
– كيف تتعامل مع طفلها وفي قانونها يجوز الكذب على الأطفال،
– والأخرى في قانونها يجوز عدم تنفيذ أوامر الرئيس في العمل بحجة أنها حرة.
– والأخرى يجوز عندها أن ترمي مخلفاتها على الأرض بحجة أن هناك مستخدمات.
– والأخرى كانت تغتاب مديرتها في العمل بحجة أنها تفضفض وتشتكي.
– والأخرى قالت عن لوحة لإحدى الطالبات المبدعات هذا لا يجوز يجب أن تقطعي الورقة؛ فقط لأنها احتوت على رسم لشخص وأن هذا يعد مضاهاة لخلق الله.
– أما الطامة الكبرى فهي أن إحداهن لا تتورع عن التلفظ بالألفاظ القبيحة والشتائم المقززة للطالبات بحجة تربيتهن وتعليمهن
كل هذه الحلقات من الكوارث في حياتهن وأخلاقهن ولم يتأذين سوى من نغمة جوال وإيقاع موسيقي بسيط.
وكان لزاما على بطلتنا أن تواجه الحوارات المتكررة التي تدور حول الموسيقى بالصمت؛ لأنها تحترم فكرها، ولا تريد أن يتلوث بكم من التناقض والازدواج.
والصمت أحيانا جواب صريح.



