مقالات

الزراعة في زهران وغامد .. حكايات وأمنيات

عبدالحي إبراهيم الغبيشي

كانت الزراعة قديما هي المهنة الأساسية اللازمة، التي اعتمد عليها سكان منطقة الباحة “بلاد غامد وزهران” وخاصة المحاصيل الموسمية “البعلية “الحنطة والشعير في السراة، والذرة والدخن والسمسم في تهامة.

 ونظرا لما رأيناه في هذا الموسم من غزارة الأمطار وكثرتها وتوفر الظروف المناخية، وما توقعه المختصون بأن هذه الامطار ظاهرة مناخية ستستمر بأذن الله لسنوات قادمة، سوف يكون لها انعكاسات على الزراعة وخاصة زراعة البر الحنطة الذهب الأحمر والشعير الأصفر، لأن موسمها يعتبر الأهم والأكثر انتاجًا.

 وذلك لما منح الله هذه الديار من مقومات طبيعية، من حيث المناخ ووفرة المياه الجوفية والموسمية، والتربة الصالحة للزراعة، هذه العوامل جعلت المنطقة تشتهر بكثرة المزارع أو “البلاد” وهو لفظ يطلق على مجموعة الأراضي الزراعية، والمصاطب والمدرجات التي عملت منذ مئات السنين، وما زالت شاهدة على قصة كفاح ونجاح إنسان المنطقة، الذي استطاع أن يتكيف مع البيئية الجبيلية، ويوظفها في خدمة حياته المعيشية.

 حيث كانت تلك المزارع “البلاد” إلى عهد قريب من التراث المتوارث، الذي يحبونه ويفخرون بملكيته وزراعته، ولا يرغبون عنه بديلًا، وبه تقاس معاملاتهم مع الآخرين، وصاحب “البلاد” “الزراع ” له كلمة مسموعة في ذلك المجتمع، سواء في الضيافة ، حيث كان يُعطى (النيبه) كاملة، أو في (فكة الحمى) والبيع والشراء في السوق، وحتى في الزواج كان المفضل لديهم زواج ابنة العم، ذلك من أجل المحافظة على ملكية الأرض وزراعتها.

 ومن حرصهم على محصول البر كانوا لا يزرعون الأشجار المثمرة في صحن الأرض، وإنما في أطرفها .. وقد ذكر حمد الجاسر “رحمه الله” في كتابة “سراة غامد وزهران” صحن الأرض تتم زراعته بالحبوب ولا يمكن زراعة شجرة فيه، والقمح عندهم محور الحياة، ومن اهتمامات وحرص المجتمع الريفي بتلك المزارع أوجدوا لها مصطلحات ومسميات، فهم يطلقون على الأماكن المخصصة للزراعة مجتمعة “البلاد” وأحدها (ركيب) أو (ركيبه).

 و(القطعة أو القطاع) وهي أصغر من الركيب، ولا يجمعون الركيب على ركائب، و(الرصعة) المزرعة التي يكثر المرور منها كطريق، و(الرهوة) إذا كانت منبسطة ومرتفعة، و(الجناب) المزرعة الصغيرة التي بجانب الركيب، و(السد) إذا كان بين جبلين، كما يطلقون عليها (الغُبر جمع غَابرة) وهي التي لا يوجد بها زراعة، و(القسم) نصيب الشخص، و(حِلق) مساحة الأراضي الزراعية، التي يملكها مجموعة اشخاص ولها مسميات يعرفها أصحابها.

 وإذا حُرثت ولم يوضع فيها الحَب يقال (مردومة) وإذا زُرعت في أحد المواسم دون الآخر (عفوة أو عافية) وإذا حُرثت بعد هطول الامطار قالوا (بغرة) وقبل هطول الأمطار (قتيره) وإذا تُركت لم تحرث قالوا (مكندرة). ومن العيب عندهم بيعها، ومن فعل ذلك عيروه بـ (السلات) والذي لا يعمل الفلاحة فيها يقولون عنه (سياب).

ويطلقون على ما يُروى من الآبار (مساقي) والتي تعتمد على مياه الأمطار (عثري) … وتتم الزراعة في موسمين، هما: الصيف “الوسميه” زراعة البر … والخريف “الفيحه” زراعة الذرة، وتمر الزراعة فيهما بعدة عوامل من تجهيز المزارع وتنظيفها من الشوائب، وإصلاح جدرانها التي تحفظ الماء والتراب، وما يعرف بـ(العِراق)، وكذلك بمسائل المياه التي تغذي المزرعة، ما يعرف بـ(الخليج أو الحامل).

 وبعد ذلك يتم حرث المزارع  بالسواني مروراً بالبذر والسقاية وحتى مرحلة الحصاد والدياس، وتشارك المرأة الرجل زراعة أسرية، بالرغم من أنها كانت صغيرة النطاق وتتم بأدوات بدائية، تعتمد على جهد الإنسان والحيوان “السواني”، إلا انها كانت  منتجة وغنية اقتصاديا، تحقق الاكتفاء الذاتي  وقد أسهمت في تحقيق تنمية مستدامة، وكان الفائض يُصّدر إلى خارج المنطقة، وقد تناقل الرحالة ذلك في مدوناتهم بوصف دقيق، أمثال ابن جبير وابن بطوطة وابن كثير وابن المجاور.

حيث ذكروا:”أن أهل هذه السراة إذا وصلوا مكة ملؤها خبزاً من الحنطة والشعير والسويق”.

ومما اثار حفيظتي لكتابة هذا الموضوع ما آل إليه حال هذه المزارع “البُطح” حرفة الآباء التي تخلى عنها الأبناء، حتى أصبحت هذه المزارع أثرًا بعد عين، فقد تُركت وأُهملت و(أحقل) فيها الطلح، وجرفت السيول بعض أجزائها. 

 قد يعود ذلك لعدة أسباب، منها انشغال الناس بالوظائف والهجرة إلى المدن، ونقص اليد العاملة، والتوسع العمراني، علما بأنها لو استمرت لحققت دخلًا جيدًا للفرد، وعملت على تحسين معيشته .. مثلًا يصل سعر الكيس الوحد من الحنطة إلى ستمائة ريال.

السؤال المهم الآن … هل يعيد أبناء المنطقة حساباتهم، ويعودون بقوة إلى هذه المهنة، وأنا متأكد أنهم سيحصلون على الدعم والتشجيع من قبل فرع وزارة البيئة والمياه والزراعة بمنطقة الباحة، وهي المهتمة والداعمة لهذا النشاط الحيوي، والنظر إلى المزارع الصغير، وإيجاد بعض الإمكانات كحصادات تلائم ظروف المنطقة، والقضاء على بعض الآفات الزراعية كصدأ القمح “الشقران” والتخلص من القرود والكلاب الضالة والطير، وذلك من أجل إعادة وعودة الزراعة، التي تعتبر أحد مرتكزات رؤية المملكة 2030، وصولًا لتحقيق الأمن الغذائي، في ظل ما يجتاح العالم بين وقت وآخر من أزمات في محصول القمح.

 في الختام … أقول باللهجة الدارجة: (ماشي كما الزراعة وحب ابلادنا)، مصدر “الخبزة: أكبر رغيف بالعالم، والتي مازال حاضرة في موائد المنطقة، ومناسبتها الخاصة والعامة.

يقول المرحوم “حسن الزويكي”:

الزويكي قال في السوق ماليات حَب

شيء من الخارج يجينا وشي من حَبنا

والله ما راقب زراعة تهامة من عناها

لا تقول مُدين بريال ما وافقت انا

جدة 2 / 12 / 1444 هـ

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com