أوقاتٌ مزدحمة

محمد جبران
رغم مرور الزمن وتقلباته، إلا أنني ما زلت في رحلة ذهاب وإياب مستمرة بين المدينة والقرية . ومكوثي لا يدوم طويلًا هنا أو هناك. كلما أمضيت وقتا في المدينة، انتظرت شوقا إلى لحظة السفر إلى القرية. طبعا قبل أن يشيخ عمري، وتكبر غربتي، مثل أغنية قديمة هجرتها الذاكرة. ومن عاش طفولته في القرية، يعرف ما الذي يعنيه ارتباط أهلها بتلك الأماكن. إنهم مسكونون بعَبَق طبيعتها، يفضلون الجبال، وطين الأرض ، وخلجان الماء الصغيرة، وتغريد الطير، وزرقة السماء، وصوت الريح، ورائحة المطر وحصاد القمح، على صقيع الروح الذي يساكن جدران المدينة الإسمنتية.
لهذا تجد ابن القرية ما أن يغادرها حتى يعاوده الحنين إليها، ويظل يلاحقه أينما ذهب. والجميل أن أودية القرى في منطقة الباحة هذا الصيف، كانت مزهرة أكثر مما سبق من أعوام . لقد تجلى سحرها الأبدي في مشهد لا نهاية له؛ أشجار الزيتون المشرفة على المنحدرات وقد أصبحت أكثر اخضرارًا، عطر الحبق النفاذ على أطراف المياه المنسابة بلا تعجل، رمان المدرجات الزراعية وزهره الأحمر البديع، وظل عرائش العنب البارد، في وقت أحرقت موجات الحر العالم من حولنا.
سحر واسع لا يدع لي فرصة الغياب عنها طويلًا، خوفًا من أن يفوتني شيئًا من متعتها. إنها تجعل أحاسيسي منبهرة أكثر كلما توغلت داخلها، وتظل تدفعني في كل مرة يحاصر فيها الضباب الأبيض جسدي، لأن أقول عنها شيئا لم يكتبه أحد من قبل .. وهذا ما لا يستطيع قلمي التعبير عنه.



