حالة رقص

راجح المحوري
الفكرة عندي دائما جاهزة، محددة الملامح مكتملة الأركان كاملة الوجود، إلا بعض التفاصيل التي تظهر بعد أن يستقر النص على الورق.. فما الذي يجعلني أعيد الكتابة مرة بعد أخرى فأتأملها، خاصة في النصوص الأساسية؟
في حال تفحصت الأمر للإجابة بدقة عن هذا السؤال الذي أطرحه على نفسي أحيانا، فسأقول إن الذي يجعلني أفعل ذلك هو شعوري الحاد بالإيقاع الحاكم لألفاظ وجمل وفقرات النص.
ذلك أن هذا الإيقاع الداخلي الذي يضبط حركة النص، يتغير بطريقة سريعة مباغتة، فيهتز ويحدث فيه خلل يشبه الخلل الذي تحدثه الأحرف الزائدة عندما تكسر الوزن الشعري في القصيدة العمودية، فحركة بسيطة تحدثها في طريقة تركيب الجملة قد تهز الإيقاع في النص فتبعثر كيانه كلّه.
لعل ما نسميه الأسلوب أو البصمة الخاصة، هو ذلك التوالي الزمني للمفردات، وذلك الشكل للترتيب اللفظي، هو إحساس الكاتب بالإيقاع الداخلي الدقيق للنص. أو قل هو التجاوب اللاشعوري بين الكاتب والتجربة القرائية المتأصلة في وعيه، والتي تتمظهر طريقة متميزة قدر مجهوده في البحث عن الأصالة.
إذن فالأسلوب – بهذا المعنى – هو منتج ذهني يجري إعداده مسبقا وفق نظام موسيقى خاص، وهذا النظام الموسيقي هو خليط من التجارب القرائية التي تحتشد في وعي الكاتب لتصيبه حالة تأمل تشبه لحظة دوزنة الأوتار لدى العازف حين يرهف أذنه ويمس الأوتار مسّا خفيفا قبل البدء في العزف، وهو ما يلاحظه الكاتب عندما يضع القلم على الورقة مستجيبا للفكرة، فينتظر قليلًا أو كثيرًا قبل أن يشرع في كتابة النص أو (تأدية المقطوعة الموسيقية).
ولو أن هذا الكاتب لم يقرأ إلا في نوع واحد ولكاتب واحد، أي ليس له تجارب متعددة في القراءة لكتب مباشرة دون تردد وتبييض وحذف وإضافة.
لكتب كآلة تمت برمجتها سلفا فهي تؤدي وظيفتها بنظام دقيق، أو قل كشريط كاسيت يوضع في المسجل فيصدح بمحتواه المخزّن داخله مباشرة ودون تمهيد.
إنها ضربات الإيقاع يا رفاق.. تلك الضربات التي تضبط إشارات مخ الراقص فتحكم حركات جسده مهما تعددت (التموجات والانثناءات) التي يؤديها على (الورق).
فأتاملها = فأتأملها
والإنثناءات = والانثناءات



