مقالات

المانجا العربية .. إلى أين؟

أ.د. منى الغامدي (*)

انتشر في الآونة الأخيرة ما يعرف بالمانجا، أو المانغا Manga وتعني القصص المصورة بالأبيض والأسود.

وهي منتج ياباني الأصل تفوق على نظيره من قصص الكومكس الأمريكية؛ القصص المصورة الملونة، ووفد علينا في بداية الثمانينات على استحياء، وانتشر مع مطلع التسعينات.

وفي الفترة الأخيرة نجده قد امتد إلى جميع أصقاع عالمنا العربي، فانتشر انتشارا واسعا، وسيطر على بقية الأشكال القصصية.

ومن خلال قراءتي لعدد لا بأس به من هذه القصص، وجدت أن أكثرها يدور حول موضوع المغامرة والفانتازيا الذي أصبح موضة العصر، وإن لم تخلُ من التطرق إلى المواضيع الاجتماعية والرومانسية والتاريخية والخيال العلمي وغيرها، لكن الموضوع الذي غلب عليها هو موضوع الفانتازيا، ربما لاستحواذه على اهتمام جميع شرائح المجتمع صغارا وكبارا.

وهذا ما لفت نظري بقوة، إذ وجدت أن الفئة المستهدفة لا تقتصر على فئة الأطفال أو المراهقين، بل تشمل حتى الكبار، مع مراعاة ما بينهما من فروقات واختلافات كبيرة.

فإذا كانت المانغا المخصصة للأطفال تخلو من مظاهر العنف والقتل، ويعم فيها الخير، بل ويتحول الشر في نهاية المطاف إلى خير، فإن المانغا التي تستهدف المراهقين أو ما يطلق عليها Shonen   تختص بالمغامرة والقتال والكوميديا والدراما، وتتميز أيضا بخلوها من مظاهر العنف. بينما نجد أن هناك نوع منها يستهدف الكبار أو ما يطلق عليها Seinen ، يتميز بالعنف والتكثيف النفسي وتختلط فيها اليوتوبيا بالديستوبيا والكوميديا السوداء، وتظل هذه القصص واقعية إلى حد ما.

وهناك نوع آخر مخصص للفتيات المراهقات يطلق عليها Shoujo تدور حول العلاقات الشخصية والرومانسية بدلا من القتال والحركة، ولكنها لا تزال تتضمن المغامرة والكوميديا، إلى آخر هذه التصنيفات.

حققت هذه المانجا اليابانية عوائد اقتصادية كبيرة وصلت إلى بلايين الدولارات، وأسهمت في جذب أكبر عدد من القراء. وإذا كانت أستوديوهات إنتاج الأفلام وإخراجها قد أسهمت في تحويل هذه القصص إلى انتاج تلفزيوني عبر ما يسمى بمسلسلات الأنمي Anime، إلا أن الإقبال على المانغا لم يتوقف، بل ظل أكثر الشباب متمسكين بها ويفضلونها على الأنمي، وذلك يرجع لأسباب كثيرة؛ منها أن المانغا هي الإصدار الأول الذي يظل يسبق ظهور الأنمي باستمرار، وتصدر غالبا في أجزاء متتابعة زمنيا، بينما تمتد الفترات الزمنية الفاصلة بين إصدار كل فصل وآخر من فصول الأنمي إلى سنة أو أكثر أحيانا.

كما أن المانغا هي القصة الأصلية التي تعبر عن أفكار الكاتب مباشرة دون أي تغيير، حيث أن بعض الاستوديوهات تقوم بعمل تغييرات كبيرة على القصص الأصلية، فتحذف بعض الشخصيات أو تعدل فيها، أو تحذف بعض الأحداث، وقد يصل الأمر أحيانا إلى حذف فصول كاملة، كما حدث في أنمي The Promised Neverland الذي اختصر فصلا كاملا من المانغا في أول حلقتين لأسباب ربما تعود في أكثرها إلى الميزانية، أو رغبة في الإنتاج السريع.

بعض الأستوديوهات مثل استديو Mappa توفقت في جذب المتابعين الذين توقفوا عن قراءة المانغا ليتابعوا الأنمي بدلا منها، وذلك لإتقان هذه الأستوديوهات وبراعتها في رسم الشخصيات، وحفاظها على تسلسل الأحداث، ومراعاة حتى أدق التفاصيل، مثل أنميAttack on Titan   الذي شاهدته بنفسي، وقرأت المانغا الأصلية فوجدتها لا تختلف عنه في شيء. وقد تضيف بعض الأستوديوهات حلقات خاصة ببعض الشخصيات التي نجحت في جذب اهتمام القراء أو المشاهدين، مما يعزز الإقبال عليها.

أما من حيث التأثير الثقافي لهذه القصص، فهو تأثير ملحوظ. لكن بعضها خاصة المانغا التاريخية نجدها لا تهتم بمدى صحة أو مصداقية ما تورده من معلومات، بل يميل بعضها إلى تحويل بعض الشخصيات التاريخية من طيبة إلى شريرة أو العكس، أو يقوم بتجريد الشخصية التاريخية مما التصق بها من وقائع وأحداث حقيقية عرفت بها، واستبدالها بأحداث خيالية، كما في مانغا Vinland Saga التي تركزت على عرض شخصية ثورفين كارلسيفني في عام 1010م، فمنحتها من الأحداث الخيالية ما جعل منها شخصية باحثة عن السلام في عصر انتشرت فيه الحروب والمآسي، فاكتسبت شعبية كبيرة عند القراء. مثل هذه الأنواع من قصص المانغا وإن كانت غير مخلصة للتاريخ، يكفي أنها تعمل على تحريض القارئ على العودة إلى التاريخ الفعلي، وحثه على الاطلاع على المصادر الحقيقية للاستزادة.

وقد لاقت قصص المانغا بجميع أنواعها في مجتمعنا المحلي هجوما في البداية لعدم مراعاتها التصنيف العمري، ولكنها لاحقًا تفادت هذه الأخطاء. ويبدو أن هناك حراكا ثقافيا جادا يتجلى في الجهود التي تبذلها مجلة “مانجا العربية” التي يترأس تحريرها عصام بخاري، للترويج لهذا النوع من الأدب، إذ يتم توزيع أعداد كبيرة من المجلة مجانا في مكتبة جرير وفي المدارس.

ومن خلال تصفحي السريع لبعض أعداد المجلة، وجدت أن المانجا العربية تأتي ضمن مجموعة من قصص المانجا اليابانية المترجمة كمحاولة جادة للتماهي مع هذا المنتج الشرقي، من حيث براعة الرسم، وجدة المواضيع (الفانتازيا والخيال العلمي) مع الحفاظ على خصوصية الثقافة العربية سواء من حيث إبراز موضوعات الحجاب، والطبيعة الصحراوية للمملكة، أو من خلال التطرق لمواضيع اجتماعية تختص بالمجتمع السعودي كمسائل الزواج أو العمل في بيئة مختلطة، وغيرها من مواضيع، بطريقة تسهم في تنوير الوعي الثقافي المحلي، وإعطاء صورة مشرقة عن مجتمعنا السعودي.

 ولا يمكن التقليل من الجهود التي تبذلها “هيئة الأدب والنشر والترجمة” التي لها الدور الأكبر والبارز في هذا الشأن، سواء بدعمها مجلة المانجا العربية، في تحويلها بعض الأعمال الروائية السعودية إلى مانجا، أو بدعم وتشجيع المواهب الناشئة في هذا المجال كتابا ورسامين ومنتجين، حيث احتفلت بتخريج أول دفعة لهذا العام ابتعثت إلى اليابان لتطوير ثقافتهم حول هذا النوع من القصص، وصقل أدواتهم والخروج مستقبلا بمانجا عربية ناجحة في تعزيز قيم الهوية والثقافة السعودية والوصول بها إلى العالمية.

………….

(*) أستاذ الأدب والنقد الحديث – جامعة جدة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com