رحلة البحث عن “درب الزلق”

حسـين بن صـبح
مع بداية اليوم الثالث لم أعد احتاج إلى “قوقل ماب”، ورغم أنني لم أصادف أيّ كويتي في الكويت خلال اليومين الأولين إلّا أنه وفي نهاية اليوم الثالث أصبح لديّ أربعة أصدقاء إضافة إلى طلال.
طلال الكويتي الموظف في الطيران، ذو الملامح التركية واللهجة الكويتية، وكان قد زودني بكم من المعلومات قبيل هبوط الطائرة، أهمها أن استأجر سيارة، السيارة فكرة رائعة أفضل من التاكسي ذو السعر الباهظ واستغلال السائقين.
.
السيارة اتاحت لي التنقل في أي وقت وأي مكان، قضيت وقتا طويلا بها، وعلى أنغام عبدالكريم عبدالقادر كنت أتنقل واستمع لإذاعة الكويت الـ fm التي تبث الأغاني الوطنية الخليجية الكلاسيكية القديمة.. بسيطة الكويت معتدلة وخالية من العقد. التنقل فيها سهل وممتع، بلد نظيف ومرتب.. وأهله لطفاء؛ توقفت عند دائرة حكومية.
سألت سؤالا افتراضيا.. ورغم أنهم يستطيعون أن يقولون ليست مهمتنا.. إلا أنهم حاولوا أن يرشدوني إلى الطريقة المناسبة، بل ورحبوا بي واهتموا بموضوعي، تكررت هذه العملية أكثر من مرة بحالات مختلفة، وفِي أكثر من مكان. وحصلت على نفس النتيجة.
.
صباح اليوم الثاني اتجهت إلى المباركية؛ سوق يشبه سوق الندى أو منطقة البلد وسط جدة؛ وفيها وجدت اصحاب البلد الكويتيين يتجولون بأسرهم، كنت أتعمد احيانا أن أصغي إلى لهجتهم العذبة، وطريقتهم الممتعة في نطق الحروف والكلمات.
وفي كل مرة يتوقف اصغائي دون أن أشعر بالشبع. المباركية منطقة تستحق يوما كاملا، وعلى رائحة الأصالة، تبضعت منها وتنقلت بين محلاتها ومقاهيه،ا وتناولت طعامي في إحدى مطاعمها الشهيرة؛ أشهر المأكولات في الكويت المجبوس والمطبق الزبيدي.. والرز عامل مشترك في كلتيهما..
في إحدى أطراف المباركية توقفت أمام المبنى العريق، المجلس الوطني الثقافي الكويتي.. المبنى الذي كان يوما ما مصدرًا مهمًا ومميزًا لثقافة الإنسان العربي، ولازال محافظًا على تميزه وعمقه، لولا أن الانفتاح المعلوماتي سحب جزءًا كبيرًا من البساط، ترجلت ودخلت فيه، وسجّلت اشتراكًا في الدورية المحكمة “عالم الفكر” وقدموا لي عددين هدية، أحداهما “الثقافة العالمية”.
وبتوصية من جاسم، اتجهت اليوم الثاني إلى بيت العثمان؛ وهو متحف ويعمل فيه متطوعون كويتيون، نساء ورجال ليس لديهم أي دافع سوى حب الكويت، تنقلت مستمتعا وحزينا بين أجنحة ذلك المتحف، الذي ضرب على وتر الحنين لدي.. أعاد لي ذاكرة الغزو وصور الشهداء والأسرى، والجابرية، وخالد الحربان، وعدنان حمد وجاسم يعقوب، والأعداد القديمة من المجلات العريقة، والنقود القديمة، وذكرى الحياة البرية البسيطة، والمجالس الشعبية.
في المتحف وجدت درب الزلق، وجدت الفن الأصيل، حياة وسعاد وخالد النفيسي و اقحطه وحسينوه وكل الفريج .. كان المتحف الأول الذي أدخله ولا أرغب في الخروج منه.. عدد من الشباب لديهم أفكار إبداعية متقدمة، وكمثال على ذلك الروائية بثينة العيسى، التي أسست “تكوين” كمنصة إبداع بها العديد من الروايات والكتب الأدبية، وتعقد ورش عمل في الكتابة الإبداعية.
صاحبة المشروع تتواجد كل يوم في مشروعها، ترتب الكتب ثم تحمل مجموعة منها إلى الدور السفلي، وتطلع بمجموعة أخرى إلى الطابق العلوي، ثم تجلس وسط كومة من الكتب تقرأ ما تيسر منها، وإذا حلّ المساء تعود ترعى شؤون منزلها وعائلتها وتقلب القنوات قليلا.. ثم تتناول قلمها وتكتب فصلًا من روايتها القادمة قبل أن يحين موعد نومها، استعدادا ليوم جديد وكتب جديدة وروايات لم تقرأ بعد.
المرأة الكويتية معدة للحياة مهيأة للعمل وتقلبات الظروف محصنة بالمبادئ.. تقود سيارتها في حشمة وهدوء.. في مجتمع يتقبلها ويحترمها.. من غلّبت المبادئ ربحت.. ومن سايرت الموضة السطحية أو تسكعت فهو شأنها، ونسبتهن لا تذكر حتى لو أبرزتهن بعض الفضائيات.
المواصلات والاتصالات مهيأة في الكويت.. الباصات تخدم شريحة كبيرة من الناس وخاصة المقيمين -الذين يمثلون ضعفي عدد الكويتيين- أما التاكسي فهو على مدار الساعة. وأكثر الاتصالات مشاعا الوتساب، مفعل في جميع المؤسسات التجارية من خلال الكمبيوتر، والتواصل يتم عن طريقه.
.
فِي اليوم الأخير اتجهت إلى ساحة العلم .. أوقفت سيارتي في “الباركنج: المعد.. صعدت إلى الأعلى .. وجدت مكانا يسرّ الناظرين، مطاعم ومقاهي راقية وعالمية، وممشى بديع ومحفز على المشي، وحديقة واسعة وسطها نافورة تضخ كل بعد حين، وحينما تضخ تتزامن مع الاهازيج الوطنية الرائعة في حب الكويت و يتوقف المشاة وينهض الجالسون يصورون ويطربون وتزداد سعادتهم..
في الركن الذي في اتجاه البحر من ساحة العلم مبنى بديعًا في هندسته وفنه، هو دار الأوبرا الكويتية.. أتنقل بسيارتي المستأجرة بين المدن والمحافظات أصور السنابات وأرسلها .. السالمية وحولي وعقيلة والقرين والجهراء والاحمدي والفحيحيل..
أتوقف بعض الوقت في مولاتها ومطاعمها ومقاهيها، وأمر يوميا بالكورنيش، أوقف سيارتي في المواقف التي تبعد ما يقارب 400 متر تقريبا عن الساحل، ثم اتجه إلى البحر المتاح لجميع من وطأت قدماه الكويت، لا يوجد مبان تحجب رؤيته، ولا مبان قريبة منه، عدا بعض مباني الخدمات لزواره وهي قليلة وبينها وبين الساحل الرملي مسافة كافية.
اختتمت رحلتي بأشهر مول “الافنيوز” .. وودعت الكويت وفِي ذهني عودة .. الكويت وجهة سياحية رائعة للعائلات الخليجية والعربية.. أغلب المنتزهات عائلية وعدد من الفنادق لا تقبل العزاب للسكن فيها. الكويت بلد الشمس يفضل الناس النهار للعمل والترفيه.. في الليل تتناقص السيارات وتصبح الشوارع شبه فارغة..
قليلًا من الهمّه والتسويق للسياحة في الكويت وستمتلئ بالعائلات.. بها أغلب المقومات لتصبح وجهة يقصدها الزوّار.



