مقالات

دوقة

حسين بن صبح

‏وقال السائح إنه توقف في بلدة يقال لها دوقة، ورأى جمعًا من السيارات حول مبنى من القماش (بيت شعر). ترجل ودخل، ترك حذاءه بالمدخل كما يفعل الآخرون. سأل: ماذا لديكم؟ ثم اشترى عريكة وقهوة سعودية وقارورة مياه صفا.

كان بيت الشعر مقسّمًا بحيث يحصل كل شخص أو مجموعة على حجرة مستقلة، تقريبًا متر ونصف في متر ونصف. وكل حجرة مفروشة بالسجاد العادي وبها متكئات خلف الظهر ومساند ليستند الجالس عليها. وكل حجرة مزودة بشاشة تلفزيون تنقل حتى الأحداث الرياضية.

‏سأل السائح عن المقاهي الشعبية التي كان يرتادها قبل زمن طويل، فأجابوه بأنه قبل فترة قصيرة تم إغلاق آخر قهوة تبيع الجراك. وكانت المقاهي الشعبية تلك أشبه بفندق على الطريق، ممكن للعابر أن ينام على أحد كراسيها بمقابل مادي زهيد. وكانت رائحة الجراك اللامغشوش تملأ الأنوف.

قال السائح إن عددًا من أصدقائه قالوا: إن شيشة الجراك بدأت تنقرض بعدما تضاعف سعر الجراك أضعافًا كبيرة، ثم أصبح الكثير يخلط معه نشارة الخشب أو الحنّا.

‏نعود إلى دوقة، تلك البلدة الصغيرة التي يحدها البحر الأحمر من الغرب والطريق الساحلي الدولي من الشرق. من الجنوب تبعد عنها المظيلف مسافة 20 دقيقة، وشمالها الليث؛ تبعد ما يقارب ساعة بالسيارة. ديوانية الدانة تفتح الواحدة ظهرًا حتى الثامنة صباحًا. وأغلب العملاء من نفس دوقة، وأرباحها للجمعية الخيرية.

أكثر شيء يزعج سكان دوقة هو العج، وقد تستمر الأتربة عالقة كامل موسم الصيف. وأهالي دوقة يفرحون بالسيول التي تساهم في خمد تلك الأتربة وإحياء النباتات، وتعرف دوقة بـالدخن والحبحب والقثاء والسمسم والشمّام والخربز والجرجير.

أما شباب دوقة بعد الثانوية فيتجهون إلى المدن القريبة منهم مثل: القنفذة أو الليث أو القوز لإكمال الدراسة. يسكن في دوقة الخيري والشيخي، ولقب الخيري يعود إلى الأشراف، بينما الشيخي ينتسبون إلى قبيلة زهران. ويصل عدد السكان إلى 20 ألفًا، وكانوا يعملون قديمًا بصيد الأسماك باعتبارها بلدة ساحلية، وبحر دوقة لا يزال بكرا.

وكان الناس قديمًا يسكنون على ضفافه في بيوت أشبه بالعشش، ثم بدأ الزحف شرقًا بعد أن أصبح بإمكانهم امتلاك منازل حديثة. عدد من أهالي دوقة يملك الإبل والغنم، وعدد ليس بالقليل من سكان دوقة يمتلكون منازل في مكة أو في جدة، ولكنهم لا ينقطعون عن بلدتهم ويعاودون زيارتها باستمرار ولاسيما في المناسبات والزيجات.

عدد من الوافدين تآلفوا مع دوقة وأصبحوا يحبونها بمميزاتها وعيوبها. الهندي عرفان أحدهم، مقيم فيها منذ 14 عامًا، ولا يفكر في غيرها. فقد تآلف مع كثير من الأهالي، وشخصيته “الودودة” جعلت الكثيرين يقدمون له الخدمات، مثلا؛ تصله تذاكر إجازاته دون أن يبذل أي جهد.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com