المبدع طفل كبير

مصطفى لغتيري
منذ زمن بعيد قال سيغموند فرويد رائد التحليل النفسي عبارته الثورية، التي ستغير نظرتنا لأنفسنا وللعالم من حولنا، لقد توصل بعد أبحاثه العميقة في مجال التحليل النفسي إلى أن “الرجل الكبير هو ابن الطفل الصغير” منسجما في ذلك مع نظريته حول اللاشعور، التي جعلت اللاوعي محددا عميقا لشخصية الإنسان، بدل الوعي الذي كان متسيدًا على تفكيرنا قبل ذلك العصر، باعتباره حجر الزاوية في حياتنا.
وتشير قولة فرويد في معناها القريب إلى أن الكثير من معالم شخصيتنا تتحدد في الطفولة، وقد أغامر وأقول إن هذا الطفل يظل قابعًا في مكان ما بداخلنا حتى لو كبرنا، وانتقلنا إلى مرحلة الكهولة والشيخوخة، يعبر عن نفسه من حين لآخر بطرق مختلفة، بل وأغامر أكثر لأقول بأن الإبداع هو في أحد تجلياته نكوص نحو الطفولة.
فالكاتب وهو يحرر قصيدته أو قصته أو روايته، يشاركه في كتابتها ذلك الطفل الذي كانه يوما، والذي يستمر بشكل أو بآخر في حياته، وإن كان ذلك يتم بشكل غير واضح، أي من وراء حجاب، غير أن هذا الطفل ما يلبث أن يطفو على السطح في لحظات معينة: لحظات الفرح الجارف أو الغضب المدمر.
ففي حقيقة الأمر إن ذلك الطفل المتواري هو الذي يجعلنا نضحك بانطلاق، ويجعلنا كذلك قادرين على أن نسعد بالهدايا الصغيرة، كما أنه –مع الأسف- يجعل الغضب يتملكنا بشكل جنوني وغير مفهوم في كثير من الأحيان.
إنه أنانا العميقة التي بلا شك لا نساوي شيئا بدونها، رغم أنها قد تكون مدمرة أحيانا، إن لم نتحكم فيها ونكبح جماحها، فالطفل فينا غالبا ما لا يخضع لحسابات الربح والخسارة، إنه ينطلق بعفوية نحو مغامرات غير محسوبة العواقب، وأزعم أن الإبداع يجعل هذا الطفل المغامر دائما الحضور فينا، وهو بقدر ما يسعدنا بعفويته وانطلاقه، فإنه بالقدر ذاته قد يدمرنا بمجازفاته غير محمودة العواقب.



