ثقافة وفن

نونة العين بين الإعراض واللقاء..قراءة تحليلية في بيتين من شعر العرضة.

3 / 100 نتيجة تحسين محركات البحث

محمد بن مسعود العُمري:

يُعدّ الشاعر الشعبي عبدالله البيضاني من الأسماء البارزة، بل من الركائز الأساسية في ساحة العرضة الجنوبية؛ لما يتميّز به من شعرٍ عميق ورموزٍ دلاليةٍ قوية، تستند إلى بيئته الثقافية والاجتماعية، وقدرته على استدعاء المفردة الشعبية ذات الجذور، ضمن إطارٍ شعري يجمع بين البساطة والعمق في آنٍ واحد.

في هذه القراءة، نتوقّف عند بيتين شعـريين صدح بهما الشاعـر في إحدى ساحات العرضة الجنوبية، يقول فيهما:

“لا تدور لحيًا عنك مصروف نونه،
أما لا جاء نهار العيد عايد عليه.”

يرسم الشاعـر مشهدًا وجدانيًا شديد التعبير، يجمع بين صورة الإعراض وصورة اللقاء الموسمي، حيث تتقاطع مشاعـر الصد والرغبة، بين الإهمال المقصود والتواصل المشروط.

في الشطر الأول: “لا تدور لحيًا عنك مصروف نونه”، نلاحظ أن الشاعر استخدم تركيبًا لغويًا بديعًا؛ فكلمة “مصروف” جاءت على وزن “مفعول”، وهي صيغة اسم مفعـول من الفعل الثلاثي “صَرَفَ”، مما يدل على أن الإعـراض قد وقع بالفعل، وأن “النونة” – وهي مركز البصر – قد صُرفت عـنك مسبقًا، دون تدخل منك أو طلب. وهذا مختلف دلاليًا عن “صرّف نونه”، التي قد تُفهم كطلب أو أمر بالإعراض، بينما “مصروف” تدل على إعـراض واقع ومُنجز. فالنظرة هنا ليست مجرد انصراف عابر، بل تحوّل مقصود ودائم في الاتجاه والبُعد.

ومن المحتمل أن يكون المقصود من “لحيًا” هنا أحيانًا الإشارة إلى “قوم” كما في قولنا: (حيّ آل فلان)، وأحيانًا يُراد بها شخصٌ واحد، وذلك استنادًا إلى ما ورد في قواميس اللغة، وهذا الاستخدام يُشير إلى أن من صرف نونه قد يكون جماعةً أو فردًا. وفي كلتا الحالتين، فإن في ذلك دلالة على موقف من الإعراض، سواء أكان جماعيًا أو فرديًا. وفي هذا السياق، جاءت “النونة” في اللغة بعدة دلالات؛ في لغة الحُداء ومذحج، وكذلك في اللغة الحِمْيَرِيَّة القديمة، تطلق على علامة في جبين الحصان أو الثور بلونٍ مخالف، وتُطلق أيضًا على القلادة الفضية التي تتزين بها النساء على الجبين؛ كما أنها في “لسان العرب” تعني الحفرة التي تكون أسفل الذقن (وتُعرف اليوم بالغماز). وفي حديث عثمان بن عفان رضي الله عنه، أنه رأى صبيًّا جميلاً فقال: “دسّموا نونته” أي: سوّدوها لئلا تصيبه العين. وقد يُراد بالنونة أيضًا وسط الشيء أو مركزه، وهو ما يفتح المجال لتأويل أوسع. فـ”مصروف نونه” تعني: “قد صرف عنك مركز نظره”، أو “تجنّبك قلبًا وقالبًا”، وهو تأويل تدعمه دلالة النونة في اللغة، ويقارب معنى الحديث الشريف:
“من كثّر سواد قوم؛ فهو منهم” – رواه أبو يعلى – في إشارة إلى خطورة الانضمام لجماعات الباطل أو تأييدهم.

في الشطر الثاني: “أما لا جاء نهار العيد عايد عليه”، ينتقل الشاعر بسلاسة من صورة الإعراض إلى صورة اللقاء، إذ يُحدد اللقاء بزمان معلوم هو “نهار العيد”. هذا الزمن لا يُعبر فقط عن مجيء يوم احتفالي، بل يرمز إلى الفرح وتجدد الصلة بين المحبين؛ فحين يحلّ العيد، يعود كل محبٍ لمن يحب دون الحاجة إلى مطاردته، وكأن الشاعر يؤكد: إن من قدّرك حقًّا، سيعود إليك بشكل طبيعي.
وبالإضافة إلى ذلك، يمثل العيد في النص رمزًا شاملاً لتلاقي الأرواح؛ إذ تتجلى فيه مشاهد تبادل التهاني، وتقارب النفوس، وترويح النفس والبدن، وإظهار السرور البهيج. هكذا يُبرز العيد ليس كمناسبة احتفالية فحسب، بل كشعيرة راسخة في تعاليم ديننا الإسلامي تُعزز من قيم المودة والتواصل الحقيقي. وفي هذا السياق، يأتي استدعاء الشاعر لزمن العيد ليُضفي على لحظة اللقاء طابعًا وجدانيًا وشرعيًا، يجمع بين فرحة الزمان ومكانة الإنسان، ويُؤكّد أن التواصل الحقيقي لا يُبنى على التكلّف، بل على صدق الشعور وصفاء النية.

هذا التناقض المقصود – بين الإعراض واللقاء – يكشف عن مهارة الشاعر في تقديم تجربة وجدانية مركبة، تحمل في ظاهرها الحزن، وفي باطنها حكمة تقول: “من أرادك سيأتيك، فلا تتبع من أعرض عنك”.

تميّزت القصيدة بجوانب فنية تمثّلت في تكثيف المعاني، واستخدام المفردات ذات الحمولة التراثية الغنيّة، مما يفتح أفق التأويل على أكثر من مستوى. كما أنها تمثّل نموذجًا من شعر العرضة، الذي يعتمد على الشقر والجناس كأدوات فنية تضفي على النص الشعبي عمقًا وجمالية مؤثرة، فضلًا عن كونها تحمل في طياتها رسالة اجتماعية نابعة من تعاليم ديننا الإسلامي، تُعلي من قيمة المودة، وتؤكد على أن التواصل مبني على الصدق وصفاء النية.

ختامًا
هذه قراءة تحليلية تركز على الدلالات والمعاني والصور الجمالية في النص، بعيدًا عن الوزن العروضي، وذلك مراعاةً لخصوصية شعر العرضة الجنوبية الشعبي، الذي يعتمد على التلقائية والتأثير الوجداني أكثر من التقيّد بالقوالب النقدية.
وإنني؛ أهدي هذا الجهد المتواضع إلى كل من يسعى لفهم الشعر الشعبي بروحه النقية وعمقه الثقافي، وإلى من لا يزال يُصغي لصوت العرضة كجزءٍ من ذاكرة المكان والناس.
كما أتوجّه بالشكر لكل من يقدّر هذا اللون الأدبي، ويمنحه ما يستحق من قراءة وتأمل وتذوق.
وتحيةُ إجلالٍ وإكبار أبعثها إلى الشاعر العملاق عبدالله البيضاني (أبا ماجد)، على هذه الروائع التي لا يزال يُتحف بها ساحة العرضة الجنوبية، ويمنحها بذلك ألقًا متجدّدًا يليق بتاريخها وجمالها.

إلى لقاء آخر ..

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com