مقالات

ونسينا أن بيننا قابيل

4 / 100 نتيجة تحسين محركات البحث

أميمة عبدالعزيز زاهد

تطالعنا الأخبار كل يوم، بحوادث تُوصف بأنها غريبة على مجتمعنا، أو دخيلة لم نعتدها.

تارةً نسمع أنها “الحادثة الأولى من نوعها”، وتارةً توصف بأنها “صادمة”، وكأنها قفزت على واقعنا من كوكبٍ بعيد.

 وهناك من يصفها بأنها حادثة دخيلة أو غريبة في تفاصيلها وأحداثها وأطرافها هزت مجتمعنا.. 

وتتوالى أخبار الحوادث الغريبة والمآسي المفجعة، وتتفاقم الغرائب وتنهال العجائب فوق رؤوسنا، ومع تكرار هذه المشاهد المؤلمة، يتكرر معها رد الفعل ذاته: استنكار، دهشة، صدمة، شجب، تنديد…

وكأننا مجتمع منزّه عن الخطأ، لا يمكن أن يصدر عنه الشر أو الانحراف أو أننا نعيش في مجتمع مثالي خالٍ من الأشرار فهم دخلاء علينا، ونقول لأنفسنا بعد كل حادثة تُرى من أي كوكب هبط أولئك الغرباء المتوحشون.

والحقيقة أن كل المجتمعات تحمل في داخلها تنوعًا بشريًا طبيعيًا، فيه الخير والشر، والصلاح والانحراف، فهذا جزء من طبيعة الحياة، لأن هناك ثواباً وعقاباً، وإلا لماذا خلق الله سبحانه الجنة والنار؟

ولا يُفترض أن نتعامل مع كل ظاهرة سلبية وكأنها أمر غير مألوف لا يمكن أن يحدث هنا.

فالجريمة لم تولد اليوم ولم تدخل من الخارج، هي موجودة قبل أن يكون هناك مجتمع متكامل، بل لها جذور قديمة في التاريخ الإنساني، وأولها ما حدث بين قابيل وهابيل، حين قاد الحسدُ أحدهما لقتل أخيه.

ومنذ ذلك الوقت، تتابعت صور الأذى والظلم في المجتمعات، وتوالت بعدها الجرائم والجنح والجنايات باختلاف مسمياتها على المجتمعات ولم يمنع ذوي النفوس الشريرة أن تظهر انتقامها وتبث حقدها وتنفث سمومها حتى في زمن الرسل والأنبياء، وهناك العديد والعديد من القصص التي نعرفها جميعًا في هذا المضمار، حتى في الأزمنة المباركة.

ففي عهد النبي عليه الصلاة والسلام، حدثت مواقف مؤلمة وصادمة ولم يمنع وجوده ﷺ من وقوعها، وحتى في عهد الصحابة، كم من الحوادث التي قرأنا عنها وشعرنا بغرابتها وفداحتها؛ لأنها حدثت في زمن قريب من عهد النبوة ونور الرسالة، فلماذا نُصر على اعتبار الجريمة أمرًا غريبًا عن مجتمعنا؟

هذه ليست دعوة للتشاؤم، بل لليقظة.

لنفكر… لنراجع أنفسنا، لنُصلح بيوتنا، ونُعيد النظر في طريقة تنشئتنا، وفي أخلاقنا، وفي علاقاتنا اليومية.

فلنتعامل مع كل حادثة مؤلمة كفرصة للمراجعة لا فقط للتنديد.

نحمد الله أننا نعيش في مجتمع يحتكم إلى شريعة الله، ويُقيم حدوده بعدل ووضوح، وهذا مما حفظ بلادنا من تفشي الجريمة، وجعلها من أكثر الدول أمنًا واستقرارًا، ولله الحمد.

لكن الأمر لا يتوقف عند حدود العقوبة، بل يبدأ قبل ذلك بكثير.

الوقاية مسؤولية جماعية، تبدأ من داخل الأسرة، وتمتد إلى المدرسة، والمؤسسات التربوية والتعليمية والنفسية والإعلامية.

نحتاج إلى تكاتف حقيقي بين الجهات المعنية بالتربية والتعليم والدراسات النفسية والاجتماعية، لمتابعة السلوكيات غير السوية من جذورها، قبل أن تتحول إلى كوارث يصعب السيطرة عليها.

فالبذرة يجب أن يُعتنى بها قبل أن تطرح ثمارًا فاسدة، لا بعد أن تفسد، نحتاج الآن صحوة عامة نتكاتف فيها يدًا بيد لإصلاح النفوس ونبذ المصالح الشخصية والأنانية والتفكير الجاد، أننا جميعاً في مركب واحد يحتاج اصلاحاً لننجو جميعاً، فلنكن أكثر وعيًا، وأقل صدمة…

ولنسأل أنفسنا: لماذا؟ وكيف؟ ومتى؟

ونبحث معًا عن الإجابات، قبل أن نفاجأ بنتائج لا تُحتمل…

قبل أن نُصاب بالخذلان من واقعٍ ساهمنا – بصمتنا أو بتقصيرنا – في تفاقمه.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com