لماذا أنتِ متعبة ؟
أميمة عبدالعزيز زاهد
الحقيقة أن بداخل كل منا مخاوف وهواجس قد لا نعرف مصدرها، وقد يعيش الإنسان سنوات وهو يحمل قلقًا لا يدرك من أين بدأ، ولا لماذا يتسلل إليه في بعض المواقف دون غيرها. ومصارحة النفس والبحث عن أسباب القلق قد تكون الخطوة الأولى للتعامل معه؛ فبعض ما يقلقنا نستطيع تغييره، وبعضه نستطيع الابتعاد عنه، وبعضه الآخر لا نملك أمامه إلا أن نتقبله ونتعايش معه، لكن دون أن نسمح له بأن يستنزف حياتنا.
ومع كل ما نعرفه عن القلق وأسبابه، يبقى السؤال: لماذا يبدو أكثر حضورًا في حياة المرأة؟
تشير الدراسات إلى أن اضطرابات القلق أكثر شيوعًا لدى النساء من الرجال، وتتداخل في ذلك عوامل بيولوجية ونفسية واجتماعية متعددة. ولكن بعيدًا عن لغة الدراسات والأرقام، يكفي أن نتأمل حياة المرأة لنرى كم تحمل في رأسها وقلبها من التفاصيل الصغيرة والكبيرة؛ فهي لا تقلق على نفسها فقط، بل يمتد قلقها إلى كل من تحب.
والمرأة اليوم ليست بالضرورة تلك الفتاة التي نشأت عاجزة عن اتخاذ قرارها أو اعتادت أن يقرر الآخرون عنها. فكثير من بنات اليوم ينشأن في بيوت يجدن فيها الحب والاهتمام، ويتعلمن ويعملن ويصبحن أكثر استقلالًا وثقة بأنفسهن وقدرة على اختيار ما يناسبهن. ومع ذلك، قد يبدأ القلق في التسلل إلى حياتهن كلما اتسعت دائرة المسؤوليات، وأصبحت الحياة تطلب منهن أكثر مما اعتدن أن يحملنه.
وحين تصبح المرأة زوجة ثم أمًا، يتسع قلبها وتتسع معه دائرة مخاوفها؛ تقلق على بيتها وزوجها وأبنائها، على صحتهم ودراستهم ومستقبلهم، وتظل تلاحق أبناءها بدعائها حتى بعد أن يكبروا ويستقلوا بحياتهم. فالأبناء يكبرون، ولكن قلب الأم لا يتقاعد من الخوف عليهم.
وتزداد الضغوط حين تتعدد أدوار المرأة؛ فهي زوجة وأم وربة منزل، وقد تكون إلى جانب ذلك امرأة عاملة تحمل مسؤوليات وظيفية لا تقل عن مسؤولياتها الأسرية. والمشكلة ليست في تعدد هذه الأدوار وحده، بل في أن تجد نفسها مطالبة بأن تنجح فيها جميعًا بالكفاءة نفسها وبلا تقصير، وفي الوقت نفسه يُنتظر منها ألا تتعب أو تشتكي.
وهنا يأتي دور الرجل؛ فالشريك الذي كان يفترض أن يكون سكنًا وطمأنينة قد يصبح، إن غاب عنه التفهم، مصدرًا إضافيًا للضغط والقلق. ينتظر منها أن تكون الزوجة والأم وربة المنزل والموظفة الناجحة، ويتعامل مع كل ذلك وكأنه واجب طبيعي لا يستحق حتى التقدير، ويطالبها بحقوقه كاملة، بينما لا يسأل نفسه بالقدر نفسه عن حقوقها، ولا يرى إرهاقها، ولا يشاركها ما يستطيع من مسؤوليات البيت والأسرة.
والرجل الأناني يتركها وحدها تحمل كل التفاصيل، ويضع احتياجاته في مقدمة الأولويات واحتياجاتها في آخر القائمة. وقد يعود إلى بيته باحثًا عن راحته، دون أن يسأل نفسه متى بدأت راحتها هي، وكأن التعب حق له وحده، أما هي فمطلوب منها أن تواصل العطاء بصمت.
والأشد قسوة أن يلومها حين تتعب، أو يتهمها بالتقصير حين تعجز عن الاستمرار بالوتيرة نفسها. عندها لا يعود البيت بالنسبة إليها مساحة للراحة، بل يصبح مسؤولية أخرى تضاف إلى قائمة مسؤولياتها، وقد تجد نفسها وحيدة وهي تعيش مع شريك يفترض أنه أقرب الناس إليها.
فالمرأة لا تحتاج إلى رجل يزيد أعباءها، بل إلى شريك يخفف عنها؛ رجل يدرك أن المودة والرحمة ليستا كلمات تقال، وإنما مشاركة واحتواء وتقدير، فلا يكون عبئًا آخر فوق أعبائها، بل المساحة التي تطمئن فيها.
وفي المقابل، على المرأة ألا تستسلم لدائرة القلق، وأن تعرف حدود طاقتها، وألا تجعل الشعور بالذنب عقوبة تلاحقها كلما اختارت أن ترتاح. ليس مطلوبًا منها أن تكون مثالية في كل شيء، ولا أن تحمل الجميع ثم تنسى نفسها. ومن حقها أن تمنح ذاتها شيئًا من الوقت والاهتمام والسكينة.
فالمرأة إنسانة لها حقوق واحتياجات وطاقة محدودة، وليست آلة مبرمجة تعمل من أجل الآخرين. والاهتمام بنفسها ليس أنانية، والراحة ليست تقصيرًا، وطلب المساندة ليس ضعفًا.
وربما لم يسرق طمأنينة قلبها القلق وحده، بل سرقها كل من حمّلها فوق طاقتها، ثم يسألها باستغراب: لماذا أنتِ متعبة



