أبو سامي الكريم الواعي

بقلم: محمد بن ربيع الغامدي
والكرم الواعي هو تعبير للبروفيسور معجب الزهراني وصف به حالة الشيخ سعيد العنقري، وقد وقع في نفسي موقعا حسناً فانطلقت منه في هذه المقالة. وفي الحقيقة التي لا مراء فيها فإن ثراء الثري يستوقف العابرين دائماُ، هذا من طبائع الناس، يستوي عندها اهل الفضل مع أهل الفضول، غير أن الموقف مختلف تماماُ مع الشيخ سعيد العنقري، حيث تستوقفك طريقته النادرة في فهم الثراء.
المال عنده، بحسب الذي رأيت، لم يعد أداة استهلاك، ولا وسيلة لاستعراض المكانة، وإنما تحول إلى وظيفة اجتماعية وثقافية. وهذه منزلة مختلفة تمامًا، تضعه في منزلة الرجل المحسن لكنه ترتفع به كثيراُ عن مجرد رجل محسن.
لقد رأيت في سيرته أربعة أشياء تجتمع فيه على نحو لافت ولعلكم رأيتم ما رأيت:
أولًا: هو لا يتبرع للثقافة، بل يستثمر فيها حضاريًا (كرسي الزيتون، وكرسي اللوز، ومبنى النادي الأدبي ومرافقه، رعاية مشروعات ثقافية واسعة الطيف في الباحة وخارجها) هذه ليست صدقات عابرة؛ إنها أشياء يُراد لها أن تبقى لمجتمع ينمو بها وينمو عليها.
ثانيًا: ثمة ذكاء في اختيار المشاريع التي يمولها (الزيتون واللوز مرتبطان بالأرض) و (الجامعة هي محضن المعرفة الدائم) و (مبنى النادي هو معقل للأدب ، والمسرح وعموم الثقافة تحت أي مسمى كان) و(الملاعب هي ملاذ الشباب) كأن الرجل لا يوزع ماله، وإنما يبني أجزاءً من صورة المكان.
ثالثًا: علاقته بالضيافة تكشف فلسفته أكثر مما تكشفها الملايين. أن تكون المائدة غنية ولكن بلا استعراض، وأن يبلغ الرجل الثمانين ثم يصر على خدمة ضيوفه بنفسه، فهنا تنتقل المسألة من الكرم إلى التواضع. إنه لا يقول للضيف: انظر كم أملك، بل يقول له بالفعل: أنت جدير بأن أخدمك.
ورابعًا، وهذه عندي أجمل خصاله: أنه لم يسمح للمال بأن يكبر أكثر منه. كثيرون يمتلكون الثروة، ثم تنقلب العلاقة فيصبحون هم المملوكين لها: لمظاهرها، وحراساتها، وبروتوكولها، وإعلانها. أما هذا الرجل، كما رأيت، فيبدو أن ملايينه بقيت في جيبه ولم تصعد إلى رأسه.
ولو أردت عبارة واحدة تختصره، فلعلني أقول: رجلٌ لم يتخذ من ثروته قصرًا يسكنه، بل جعلها أبوابًا يعبر منها الوطن.
أو، بعبارة أكثر التصاقًا بالثقافة:
ليس ثريًا يرعى الثقافة؛ إنه رجل فهم أن للمال ذاكرة، وأن أجمل ما يبقى منه ما تحوّل إلى معرفة وفن ومؤسسة.
لكن ثمة وصف ثالث يعجبني لهذا الرجل الذي رأيت:
إنه وجيهٌ بالمعنى الإنساني النبيل للكلمة.
فالوجيه قديمًا لم يكن صاحب المال فحسب، وإنما الرجل الذي تتحول وجاهته الخاصة إلى منفعة عامة؛ يُفتح بابه، ويُقصد في الحاجات، ويضيف إلى مكانه شيئًا لم يكن فيه. وربما ظلمنا كلمة «وجيه» حين جعلناها في عصرنا مرادفة للثراء والنفوذ، بينما الرجل الذي رأيت يعيد للوجاهة معناها الإنساني الجميل.
وأكاد أقول:
هذا ليس رجلًا ينفق من ثروته على وطنه؛ إنه رجل يعيد جزءًا من ثروته إلى المكان في صورة مستقبل مأمول.
وهذه الأخيرة، في ظني، أقرب ما يكون إلى الصورة التي رأيته عليها.



