جماليات الفانتازيا المكانية في قصص عبد الله النصر: مجموعة «الأحساء.. خفايا الأرواح» أنموذجاً

بقلم: أ. الدكتورة وسام علي الخالدي
تتشكل الفانتازيا المكانية في المجموعة القصصية «الأحساء.. خفايا الأرواح» للقاص عبد الله النصر من رؤية سردية تتجاوز التعامل مع المكان بوصفه حيزاً جغرافياً تجري فيه الأحداث، لتعيد بناءه باعتباره كياناً مشحوناً بالذاكرة، ومتشابكاً مع الوعي الجمعي والفردي، ومفتوحاً على احتمالات العجائبي والأسطوري والنفسي. فالمكان في هذه المجموعة لا يستمد فاعليته من حضوره المادي وحده، بل من قدرته على استدعاء ما ترسّب في الوجدان من مخاوف وحكايات وإشارات، ومن تحويل التفاصيل المحلية المألوفة إلى عناصر سردية تزعزع بداهة الواقع، وتكشف عن طبقات خفية من التجربة الإنسانية. ومن هنا، تتأسس جمالية الفانتازيا على التوتر بين ما يعرفه الإنسان عن المكان وما يكتشفه فيه، وبين صورته الظاهرة وما ينطوي عليه من أسرار تتجاوز حدود الإدراك المعتاد.

تنطلق هذه الرؤية من خصوصية الأحساء بوصفها فضاءً تتداخل فيه الطبيعة مع التاريخ والذاكرة، وتتجاور فيه ملامح الواحة ومياهها وتربتها وصخورها مع ما تحمله الأمكنة من آثار إنسانية ورمزية. غير أن حضور الأحساء في المجموعة لا يقتصر على استعادة صورتها المحلية أو توثيق معالمها، بل يتجاوز ذلك إلى إعادة تخييل المكان وإكسابه طاقة إيحائية تتنامى من خلال السرد. فالمكان المألوف لا يبقى ثابتاً في حدود صورته الواقعية، وإنما ينفتح على احتمالات غير مألوفة، بحيث تغدو الجغرافيا مدخلاً إلى مساءلة الذاكرة والهوية والمصير. وبهذا المعنى، لا تقوم الفانتازيا على إلغاء الواقع المحلي، بل على إعادة تشكيله من داخله، واستثمار تفاصيله المادية في بناء عالم قصصي تتجاور فيه المحسوسات مع المخاوف، والوقائع مع الاحتمالات العجائبية.
«بحيرة الأصفر»
وتتضح هذه الآلية في قصة «بحيرة الأصفر»، حيث تتجاوز البحيرة وظيفتها بوصفها معلماً جغرافياً لتكتسب هيئة كيان مخيف، يُصوَّر في العبارة الواردة عن «فم لوحش» و«دوامة سوداء» تبتلع الكيانات. إن هذا التحول في صورة المكان يبدّل طبيعة العلاقة بين الإنسان والفضاء المحيط به؛ فالبحيرة لا تعود خلفية محايدة للفعل القصصي، بل تصبح قوة فاعلة في إنتاج الخطر وتوجيه الإحساس به. وتنبع أهمية هذا التشكيل من انتقال المكان من مستوى المرئي والمألوف إلى مستوى التهديد المتخيّل، إذ تتحول المياه، التي ترتبط عادة بالحياة والامتداد، إلى صورة للابتلاع والفقد والانمحاء. وهنا تتولد المفارقة الجمالية من انقلاب الدلالة المتوقعة للمكان الطبيعي، ومن قدرة السرد على زعزعة الأمان الذي تمنحه المعرفة السابقة بالأشياء.
ولا يقف هذا التحول عند حدود الصورة الوصفية، بل يمتد إلى علاقة المكان بالزمن؛ إذ يمكن لهيمنة الفضاء المخيف أن تعيد تشكيل إحساس الشخصية بتتابع الأحداث وبحدود الممكن والمستحيل. وإذا كانت الدوامة السوداء تستدعي صورة الحركة التي تبتلع ما يدخل في نطاقها، فإنها تتيح كذلك قراءة رمزية تتصل بتعطّل المسار المألوف للحياة، أو الدخول في دائرة يصعب الإفلات منها. ومن ثم، فإن الحديث عن تهشيم خطية الزمن يكتسب قيمته النقدية حين يُربط بما يظهره السرد من اضطراب في إدراك الشخصيات للزمن أو من تكرار للأحداث والصور. وبهذا يغدو المكان، في مستواه الفانتازي، نقطة التقاء بين اضطراب الفضاء واضطراب الإحساس بالزمن، لا مجرد عنصر يحيط بالحكاية من الخارج.
«المدرسة الأميرية» و«قيد القصر الأبدي»
وفي قصتي «المدرسة الأميرية» و«قيد القصر الأبدي»، تتبدى علاقة أكثر تعقيداً بين المادة المكانية والذاكرة؛ إذ لا يُقدَّم الحجر بوصفه مادة صامتة تنتمي إلى البناء، بل يكتسب دلالة تتجاوز صلابته الفيزيائية إلى ما يوحي به من رسوخ الماضي واستمرار أثره في الحاضر. فالحجر، بما ينطوي عليه من ثبات ومقاومة للتغير، يصبح قابلاً لأن يُقرأ بوصفه علامة على ذاكرة لا تنفصل عن المكان، وعلى ماضٍ يواصل حضوره رغم انقضاء زمنه. وعندما يتخذ المكان هيئة الحلقة المغلقة أو الذاكرة المثقلة بالدم، فإنه يستدرج الشخصيات إلى مواجهة ما يتجاوز إرادتها المباشرة، ويضعها في علاقة ملتبسة مع تاريخ المكان وما تراكم فيه من أحداث وآثار.

وتتجسد هذه العلاقة في مصير حسن، كما يرد في الإشارة إلى الغرفة الشرقية التي تعيد تكرار «خطى ميتة كتبت منذ البدء». فالغرفة هنا لا تؤدي وظيفة الإيواء أو الاحتواء، وإنما تتحول إلى فضاء يستحضر أثراً سابقاً ويعيد إنتاجه، بما يوحي بأن الشخصية لا تدخل مكاناً جديداً تماماً، بل تعود إلى مسار يبدو كأنه مرسوم قبل وصولها. وتتولد الفانتازيا من اختلال العلاقة المعتادة بين المكان والحدث؛ إذ لا يعود المكان تابعاً لحركة الشخصية، بل يبدو قادراً على فرض إيقاعه الخاص عليها. كما تفتح هذه الصورة باباً للتأويل المتصل بالحتمية والمصير، وبمحدودية قدرة الفرد على الانفصال عن الذاكرة التي يختزنها الفضاء الذي يتحرك فيه. ومع ذلك، فإن دلالة الحتمية لا ينبغي أن تُفهم بوصفها نتيجة نهائية إلا بقدر ما يسندها السياق القصصي؛ فهي قراءة تستمد مشروعيتها من طريقة بناء الحدث ومن مصير الشخصية داخل النص.
وتكتسب المادة الحسية أهمية خاصة في تشكيل هذا العالم؛ فالطين والماء العفن والصخور والرمل السبخي ليست تفاصيل تزيينية تضاف إلى المشهد لإضفاء طابع محلي عليه، بل عناصر قابلة للتحول إلى علامات دلالية تؤثر في الإحساس بالمكان وفي طبيعة التجربة التي تخوضها الشخصيات. إن حضور هذه المواد يربط الفانتازيا بملمس البيئة وخصائصها، ويمنح العالم المتخيّل كثافة حسية تحول دون انفصاله عن مرجعيته الواقعية. فالعجائبي لا يتولد هنا من فضاء مجرد أو منفصل عن التجربة، وإنما ينشأ من داخل عناصر مألوفة، حين يعيد السرد شحنها بدلالات الخوف والفساد والانغلاق والتهديد.
ثنائية الجفاف والارتواء
وفي هذا السياق، تبرز ثنائية الجفاف والارتواء بوصفها أفقاً رمزياً يمكن أن تنتظم داخله صور المكان وأحوال الإنسان. فالجفاف، إذا اقترن في السياق القصصي بانحسار الماء أو فساد مجاريه، يمكن أن يتجاوز دلالته الطبيعية ليحيل إلى القحط الداخلي أو العجز عن استعادة التوازن، في حين يظل الارتواء قابلاً لأن يرمز إلى التجدد واستعادة الحياة. وتتعزز هذه القراءة بما تحمله العبارة المثبتة على الغلاف الخلفي من دلالة: «الأرض ليست مجرد تراب.. هي ذاكرة، ونحن نخاف الذاكرة». فالعبارة تختزل تصوراً للمكان يتجاوز المادي إلى التاريخي والنفسي؛ إذ تصبح الأرض مستودعاً للآثار والتجارب، فيما ينشأ الخوف من احتمال استعادة ما حاول الوعي إبعاده أو نسيانه. وبذلك يتأسس ارتباط المكان بالذاكرة على علاقة مزدوجة: فهو يمنح الهوية جذورها، لكنه قد يعيد في الوقت نفسه فتح جراحها المؤجلة.
الجب والصخرة السوداء
وتتجلى هذه العلاقة أيضاً في قصة «الجوهرية، عين بال عين»، حيث يُشار إلى الجب والصخرة السوداء بوصفهما عنصرين يدخلان في اختبار حسن. ويتيح هذا التشكيل قراءة المكان بوصفه فضاءً للمواجهة الوجودية، لا مجرد موقع يتحرك فيه البطل؛ فالجب، بما يختزنه من عمق وغموض، يفتح أفقاً للهبوط إلى المجهول، فيما تكتسب الصخرة السوداء كثافة رمزية تتصل بما تثيره من رهبة وغموض. وعندما يرتبط المكان باختبار الرجولة والذات، تتداخل الدلالة الجغرافية بالدلالة النفسية، ويغدو الفضاء مجالاً تنكشف فيه هشاشة الشخصية أو قدرتها على مواجهة ما يهددها. ومن هنا، فإن قيمة المكان لا تنحصر في غرابته، بل في الوظيفة التي يؤديها في تعرية الذات ووضعها أمام حدودها وأسئلتها.
أشياء صغيرة
ومن المظاهر اللافتة في المجموعة توظيف الأشياء المكانية الصغيرة بوصفها بؤراً لتكثيف المعنى. ففي قصة «قيصرية الأرواح»، يبرز الصندوق الخشبي الذي يبتلع ملامح الناظر ويستدعي الأصوات المتداخلة، ومنها النداء «عد إلينا». ويكشف هذا العنصر عن قدرة الشيء المادي على تجاوز وظيفته المباشرة ليصبح وسيطاً بين الحضور والغياب، وبين الذات وصورها المهددة بالضياع. فالصندوق، الذي يُفترض أن يحتفظ بما يوضع داخله، ينقلب إلى قوة تستولي على ملامح الناظر، فيختل بذلك الحد الفاصل بين الحاوي والمحتوى، وبين الشيء والإنسان. وهذه المفارقة تمنح العنصر المادي طاقة فانتازية، وتجعله مركزاً لتوتر نفسي تتداخل فيه الذاكرة مع الخوف، وتتحول فيه الأصوات إلى استدعاء ملتبس يعيد الشخصية إلى علاقة غير محسومة مع ماضيها.
وتنبع أهمية هذا المشهد من أن الفانتازيا لا تعتمد بالضرورة على أحداث خارقة واسعة النطاق، بل قد تتشكل من انحراف محدود في وظيفة شيء مألوف، حين يُمنح قدرة لا تنسجم مع قوانين الواقع المعتاد. فالصندوق لا يكتسب غرابته من كونه جسماً خشبياً، وإنما من الفعل المنسوب إليه؛ أي ابتلاع الملامح واستدعاء الأصوات. وهنا تتولد الدهشة من اجتماع المادي بالمستحيل، ومن انتقال الشيء من حيز السكون إلى حيز الفعل. كما أن النداء «عد إلينا» يفتح المجال لتأويل يتصل باستعادة الغائب أو استدراج الذات إلى فضاء سابق، غير أن تحديد مرجعية هذا النداء يظل مرتبطاً بسياقه الكامل داخل القصة، وبهوية المتكلم أو طبيعة الأصوات التي تنتجه.
الدلالة المكانية
وفي «قيد القصر الأبدي»، يكتسب اللوح الحجري المنقوش بمسند التحذير أهمية تتجاوز كونه أثراً كتابياً؛ إذ يجمع بين صلابة المادة وثبات النقش، ويجعل الكتابة نفسها جزءاً من بنية المكان. فالتحذير المنقوش يكتسب دلالته من اجتماعه بالحيز الذي يحتضنه، ومن تحوله إلى علامة تستبق الخطر أو تشير إلى معرفة سابقة تتصل بأسرار القصر. وبذلك تتداخل العلامة المكتوبة مع الفضاء المكاني، ويغدو المكان حاملاً لخطاب لا يُقرأ بمعزل عن موقعه وما يثيره من رهبة. وإذا كانت الكتابة تحفظ المعنى عبر الزمن، فإن النقش الحجري يمنح هذا الحفظ صورة مادية توحي بالاستمرار، وتفتح سؤال العلاقة بين المعرفة والتحذير والمصير: هل يستطيع الإنسان أن يقرأ العلامة قبل فوات الأوان، أم أن وجودها لا يكفي لإنقاذه من قوة المكان؟
وتتسع الدلالة المكانية في قصتي «بيت القصاب» و«غياهب المصرف»، حيث تشير القراءة إلى استنطاق المسكوت عنه وإلى علاقة الأمكنة بالعابرين الذين يفرطون في هويتهم. فالمكان، في هذا المستوى، لا يكتفي باحتضان الشخصيات، بل يصبح طرفاً في علاقة أخلاقية ونفسية معها؛ إذ يكشف ما تحاول إخفاءه، أو يعيدها إلى آثار أفعالها، أو يضعها أمام ما انقطع من صلتها بماضيها. ومن هنا، يمكن فهم العقاب الذي تنسبه القراءة إلى الأمكنة بوصفه تمثيلاً سردياً لارتداد الأفعال على أصحابها، أو صورة رمزية لعودة الذاكرة حين تُهمل الهوية وتُختزل في حضور عابر لا جذور له.
غير أن هذا التأويل لا يعني أن المكان يمتلك بالضرورة سلطة أخلاقية مستقلة عن الشخصيات، بل إن فاعليته تنشأ من الطريقة التي يبني بها السرد علاقته بأفعالها وذكرياتها ومآلاتها. فالمكان الذي يبدو معاقباً قد يكون في الوقت نفسه كاشفاً أو شاهداً أو محفزاً لاستعادة الماضي. وتنبع أهمية هذه الوظائف من أنها تجعل الفضاء القصصي جزءاً من إنتاج الدلالة، لا مجرد وعاء لها؛ إذ تتداخل حركة الشخصيات مع ما يحمله المكان من علامات، ويتشكل المعنى من التفاعل بين التجربة الفردية والذاكرة التي تتجاوز حدود الفرد.
البناء السردي
وعلى مستوى البناء السردي، تكشف هذه الأمثلة عن إمكان قراءة المكان بوصفه منظومة من العلامات تتفاعل فيها المادة والذاكرة والصوت والنقش والحركة. فالبحيرة والصخرة والجب والغرفة والصندوق واللوح الحجري لا تتساوى في وظائفها، ولا تؤدي جميعها الدلالة نفسها؛ إذ يتصل بعضها بالخطر والابتلاع، ويتصل بعضها الآخر بالذاكرة والاستدعاء، فيما يتحول بعضها إلى موضع للاختبار أو التحذير. ويتيح هذا التنوع النظر إلى الفانتازيا المكانية بوصفها آلية متعددة المستويات، تتشكل من إعادة توزيع وظائف الأشياء والأمكنة، ومن نقلها من مرجعيتها الواقعية إلى شبكة من العلاقات الرمزية والنفسية. ومن ثم، فإن تحليلها يقتضي الانتباه إلى خصوصية كل مشهد، بدل الاكتفاء بوصف المجموعة كلها بأنها عالم عجائبي واحد.
وتتضح فرادة هذا التشكيل حين تتجاور الواقعية المحلية مع الخيال العجائبي؛ فالبيئة الأحسائية لا تفقد ملامحها المكانية، وإنما تتحول إلى مادة لإنتاج أسئلة تتجاوز حدود الجغرافيا. فالمحلي هنا ليس نقيضاً للكوني، بل أحد المسارات التي ينفتح من خلالها النص على أسئلة الإنسان المتعلقة بالخوف والذاكرة والانتماء والمصير. وكلما احتفظ المكان بخصوصيته الحسية والتاريخية، ازدادت قدرته على حمل دلالات تتجاوز حدوده المباشرة، لأن التجربة الإنسانية لا تنفصل عن الأمكنة التي تحفظ آثارها وتعيد تشكيل وعيها.
وبذلك، لا تتمثل جماليات الفانتازيا المكانية في مجموعة «الأحساء.. خفايا الأرواح» في مجرد إضفاء صفات خارقة على الأمكنة، وإنما في إعادة بناء العلاقة بين الإنسان والفضاء الذي ينتمي إليه. فالمكان يتجاوز حضوره المادي ليغدو ذاكرة فاعلة، ومرآة للذات، ومجالاً لاختبار حدود المعرفة والإرادة، كما يصبح قادراً على استحضار ما يُخشى تذكره أو ما يتعذر تفسيره ضمن قوانين الواقع المألوف. ومن خلال هذا التداخل بين المحلي والعجائبي، وبين المادة والرمز، وبين الذاكرة والمصير، تنفتح القصص على أفق تأويلي يضع الإنسان أمام ماضيه وهويته ومخاوفه، ويكشف أن الأمكنة لا تحفظ آثار الحياة فحسب، بل قد تعيد تشكيلها في الوعي، وتمنح المسكوت عنه صورة سردية تتيح استكشافه ومساءلته.



