مبادرة تحتذى .. شكرًا دوس آل عياش
عبدالحي إبراهيم الغبيشي
الحديث عن وادي ثروق وابعاده الجغرافية والتاريخية والسكانية، ومن يقطنه من قبائل (دوس بني منهب وبني علي وآل عياش) حديث ذو شجون، يطول ويطول.
وهذه الأيام تصدر المشهد فعل حميد جديد.
وسأبدأ به المقال مشيدًا ومقدرًا مبادرة قبيلة دوس آل عياش، وما قاموا به مؤخراً من مشروع فتح الطرق وتوسيعها، رغم وعورة وصعوبة مسالكها.
ومثل هذه المبادرات التي يجيب إظهارها وإعطاء أصحابها من الشكر والتقدير ما يستحقونه، لأنها في الأساس عمل خيري يعبر عن روح إيجابية، تصب في خدمة الوطن وتحقق أهداف الرؤية والخطط التنموية في المنطقة.
تلك المبادرة تمت بجهود أهالي القبيلة الذين قاموا بالتبرع للطرق من مزارعهم واملاكهم الخاصة – ابتغاء وجه الله – وذلك بإشراف الشيخ عيسى بن محمد المطوع “شيخ القبيلة ” وتخطيط وتمويل المهندس صالح بن رمضان آل مسفر، وبتعاون الشيخ عبدالله علي، والكثير من أفراد القبيلة.
ولا يستغرب عن هذه القبيلة التي سجل لها التاريخ أروع المواقف عندما استضافوا الأمير عبدالعزيز بن إبراهيم آل إبراهيم والحملة المصاحبة، التي أتت من أجل توطين الأمن والقضاء على الفتن وتثبيت دعائم الحكم وإزالة ما تبقى من آثار صنم ذي الخلصة في عام 1344هـ وقيل أن عددهم تجاوز المائتي رجل، وعند وصول الجيش لقرية غدي أتخذ الأمير عبد العزيز بن إبراهيم من منزل الشيخ مسفر بن عبد الله (شهران) مقرا له.
وعندها اجتمع كبار القرية وتشاوروا فيما بينهم من أجل مساعدة الحملة وإنجاح مهمتها وقرروا إخلاء القرية من النساء والأطفال لاستيعاب الجيش، وقد قاموا بكل بسالة بإكرامهم وتقديم ما يحتاجون إليه وتوفير الأعلاف والمراعي للإبل والخيول المصاحبة لهم وقد مكثوا في ضيافتهم شهرًا وهي مدة ليست ببسيطة.
وهذا بمفهوم الأعمال يعد عملاً جباراً لا يقل قيمة عما ستقوم به الحملة من أعمال، وليس هذا فقط بل قدم الشيخ مسفر بن عبدالله وكبار القبيلة عند مغادرة الأمير عبدالعزيز وجيشه مبلغ أربعة الاف من العملة المتداولة، وقيل أنها فرنسية لتكملة مهمتها، ولا شك أن هذا مبلغ كبير في وقته.
وأما عن الشيخ مسفر بن عبدالله شيخ القبيلة، فقد كان له تقديره الخاص لدى الأمير عبدالعزيز، لما عرف عنه من مواقف وكرم وشجاعة، كان ميسور الحال ومن أصحاب المال والحلال والأملاك في السراة وتهامة ولم يبخل بشي من ذلك.
وأما أسرة آل مسفر فقد أنجبت الكثير من الرموز، منهم المهندس صالح بن رمضان الذي قام بتنظيم وتمويل المشروع، وهو حفيد الشيخ مسفر بن عبدالله، وقد عرف من هذه الأسرة الشيخ عيسى بن مسفر، وهو أول شيخ للقبيلة، تعين بقرار رسمي عام 1366هـ وكان على دأب أسلافه في البذل والعطاء والتضحية، فقد تبرع بجزء من منزله لإقامة أول فصل دراسي بالقرية، والذي تحول فيما بعد إلى مدرسة متكاملة تسمى مدرسة دوس بني منهب.
أما عن البعد التاريخي لوادي ثروق فقد ذكره يقوت الحموي في معجمه مرتجل لم أرى هذا المركّب في كلام العرب، وهو أسم لقرية عظيمة لبني دوس فيها منبر، وقد شهد هذا الوادي أحداثًا تاريخية وسياسية واجتماعية، سطرها التاريخ بمداد من ذهب.
فقد وقعت في عهد حممة بن الحارث بن رافع وأبنه وحفيده معركة بين دوس وأبناء عمومتهم قبيلة الغطاريف، فظفرت بهم دوس، ويؤكد ذلك قول الشاعر الدوسي:
إن ثروقاً دونها كل الويل
ودونها خرط القتاد بالليل
وقد أتت وادِ كثير السيل
وهذا دليل مناعة ومكانة ثروق وشدة باس أهلها، وأن من يتعرضها بسوء مثله مثل من يخرط القتاد ليلاً، وهو نبات كثير الشوك لا يمكن الحصول على ثمره من بين الشوك نهاراً فما بالك ليلاً.
والواقع أن لثروق قبل الإسلام أهمية دينية وذلك بأسباب وجود صنم ذو الكفين وذو الخلصة، وقيمة أدبية لوجود المنبر، واجتماعية لكون العرب كانت تحتكم إليهم.
أما عن ثروق في فجر الإسلام فحظيت بقيمة ومكانة وسبق، وذلك عندما أسلم الطفيل بن عمرو الدوسي ورجع يدعو قومه إلى الإسلام، والذي عاد إلى ثروق، وأطل عليهم من الجزء الجنوبي من جبل ظهر الغداء (والمعروف بقدوم ضآن) في ليلة ظلماء مطيرة، فلم يبصر أين يسلك، فأضاء الله له نوراً في جبينه، وانتقل ذلك النور إلى طرف سوطه فبهر الناس، وقالوا ناراً أحدثت على ثروق، ولكنه نور الأيمان الذي تغيرت بسببه الناس في ثروق، وخرجوا بفضل دعوة المصطفى ﷺ من الظلمات إلى النور المبين.
وفي الختام، فأن مثل هذه المبادرات الوطنية الكريمة تجعلنا واثقين في جهودنا ومحبتنا لهذا الوطن الكريم، ونهيب ببقية القبائل أن تقدم المصالح العامة وتحذو هذا الحذو، خاصة وأن ضمن هذا المشروع القائم خط دائري يخترق وادي ثروق ويعزز الجذب السياحي، ويبرز المعالم التاريخية والقلاع والحصون والقرى الاثرية والغابات والجبال، التي منها جبل ظهرة الغداء وجبل غيلان الذي يحتضن هذا الوادي من الجهة الجنوبية ويتميز بارتفاعه ووقوعه على الشفاء وإطلاته على تهامة.
وكم نحن بحاجة إلى مثل هذه المبادرات المجتمعية التي تساهم في إبراز الإرث التاريخي والتراثي الذي دائما ما يؤكد عليها سمو الأمير الدكتور حسام بن سعود أمير منطقة الباحة.
وفي هذا الإطار فقد سبق وأن أقام النادي الأدبي بالباحة بالشراكة مع جمعية ديار، خلال الصيف الماضي ندوة ناجحة ثرية، بعنوان: حممة الدوسي حكيم العرب وثروق التاريخ.



