مقالات

شريط الكاسيت.. حين كنا نسجل الحب ولا نرسله

4 / 100 نتيجة تحسين محركات البحث

بقلم: هيفاء نورالدين

وجدت قلماً ناشفاً في الدرج، فتذكرت كل شيء.

كنا نستخدم قلم الرصاص لإعادة شريط الكاسيت إذا تعقد. حركة بطيئة، دائرية، صبورة. لم يكن لدينا زر يصلح كل شيء بسرعة. كان لا بد أن تلفه بيدك، بحنان، وإلا انقطع.

قبل سنوات، كان الحب يُسجل، لا يُرسل.

أذكر كيف كانت صديقتي تهدي خطيبها شريطاً. تجلس قرب المسجل الكبير، تنتظر المذيع يقول: نهدي هذه الأغنية لكل العشاق. تضغط على زر التسجيل الأحمر وقلبها يدق. تسجل الأغنية، ثم تسجل بعدها بصوت مرتبك: هذه لك.

لم يكن هناك مقطع يُعاد توجيهه. كانت هناك أغنية تُنتظر لساعات، ثم تُحفظ كأنها رسالة سرية.

أنا أيضاً كان عندي شريطي الخاص. وجه أول فيه أغاني عبدالمجيد وطلال مداح، ووجه ثانٍ فارغ كنت أسجل فيه ما لا أستطيع قوله. كنت أتحدث للمسجل كأنه صديق لا يقاطع. أقول: اليوم اشتقت، اليوم زعلت

اليوم تمنيت لو قلت له شيئاً.

ولم أرسله أبداً.

لأن الحب وقتها كان حياءً أكثر منه كلاماً. كنا نخجل حتى من تسجيل أصواتنا. فكيف نرسلها؟

اليوم، نرسل كل شيء فوراً. رسالة صوتية في ثانية، صورة في ثانية، اعتراف في ثانية، وندم في الثانية التي بعدها. صار الحب سريعاً، سهلاً، قابلاً للحذف.

لكن ذلك الشريط القديم علمني شيئاً لم أنسه. أن أجمل ما في المشاعر ليس إرسالها، بل التردد قبل إرسالها. تلك الدقائق التي تقضيها ويدك فوق زر التسجيل، تفكر: هل أقول؟ هل يليق؟ هل سيفهم؟

ذلك التردد كان هو الحب نفسه.

وجدت ذلك الشريط البارحة. مسحت الغبار عنه. لم يعد عندي مسجل يعمل. لكنني احتفظت به. ليس لأستمع إليه، بل لأتذكر أنني مرة كنت أملك وقتاً يكفي لأن أسجل قلبي بعناية، بقلم ناشف وشريط لا يعود إذا انقطع.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com