مقالات

وأنا أيضًا أحتاجكم

43 / 100 نتيجة تحسين محركات البحث

أميمة عبدالعزيز زاهد

تعجبت كيف مرّ بي العمر بهذه السرعة، وكيف مضت السنوات دون أن أشعر بها! وحين استرجعت شريط حياتي، وجدت أن الجزء الأكبر منه كان مرتبطًا بأبنائي؛ بأيامهم وتفاصيلهم، بفرحهم وتعبهم، بنجاحهم وتعثرهم، وبكل مرحلة عبروا بها أمام عيني.

كم كنت أتمنى في سنوات المسؤولية أن يكبروا سريعًا، ليس هروبًا منهم، ولكن لأنني كنت أظن أن كبرهم سيخفف عني ذلك الحمل الذي كنت أحمله بحب، وأحيانًا بإرهاق يفوق قدرتي. سهرت لمرضهم، وتألمت لتعبهم، وبكيت لبكائهم، وفرحت لسعادتهم، وكنت أعيش نجاحهم وكأنه نجاحي، وأحمل همومهم قبل أن تصل إليهم.

كنت أصارع الظروف حتى أوفر لهم ما أستطيع، وأعيش على أمل أن أُحسن تربيتهم وتوجيههم، وأن أكون لهم بعد الله سندًا وأمانًا. ومرت السنوات، وكبروا أمامي خطوة خطوة، حتى أصبح لكل واحد منهم طريقه وحياته ومسؤولياته.

وهنا اكتشفت شيئًا لم أفكر فيه وأنا أركض معهم في رحلة العمر.

كنت أظن أنني أنتظر اليوم الذي لا يعودون فيه بحاجة إليّ، ولم أفكر يومًا أنني عندما أصل إليه سأصبح أنا من يحتاجهم.

فبعد أن كانوا كل حياتي، أصبحت أنا جزءًا من حياتهم. وبعد أن كنت أعرف تفاصيل أيامهم، أصبح لكل منهم عالمه الخاص الذي يأخذه بعيدًا عني. وأنا أعلم أنها سنة الحياة، وأن نجاح الأم الحقيقي أن ترى أبناءها قادرين على بناء حياتهم والاستقلال بها، لكن استقلال الأبناء لا يعني أن تتوقف حاجة الأم إليهم.

فالأم حين يكبر أبناؤها لا تنتظر منهم أن يردوا دينًا، ولا أن يعيدوا إليها ما قدمته؛ فما أعطته كان حبًا لا حساب فيه. لكنها تحتاج إلى وجودهم، إلى سؤالهم، إلى أصواتهم وإلى جلسة تجمعهم حولها فتشعر أن السنوات التي مضت لم تأخذهم منها تمامًا.

ما زلت أعرف ما يزعجهم وما يسعدهم، وأقرأ الكثير مما في أعماقهم من نظرة عيونهم، وأميز خطواتهم قبل أن يطرقوا بابي. وما زالت سعادتي تكتمل حين يجتمعون حولي، وحين أشعر أن لهم في زحام حياتهم مكانًا لا يزال محفوظًا لي.

لقد كبر أبنائي كما تمنيت، وشقّ كل منهم طريقه كما دعوت الله دائمًا، لكنني أدركت متأخرة أن الأمومة لا تنتهي عندما يكبر الأبناء، وإنما تتغير حاجتها إليهم.

بالأمس كانوا هم من يحتاجون يدي لتقودهم، واليوم أنا من أحتاج أيديهم حولي… لا لتحملني، بل لتشعرني بأنني ما زلت جزءًا جميلًا من حياتهم، كما كانوا وسيبقون أجمل أجزاء حياتي

واليوم، كلما رأيتهم يتسابقون لإرضائي،وإسعادي، ويفتخرون بأنني كنت بعد الله سندًا لهم، أشعر أن حياتي أثمرت، وأن كل تعب مرّ بي كان يستحق.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com