نيابةً عن كل عتابٍ لم يُقَل

بقلم: هيفاء نورالدين
لم أنجح يوماً في الإمساك بعتابٍ مكتمل لأشير إليه وأقول: هذا هو.
هذا ما أوجعني منك.
كنت أظن أن العتب له وجه واضح، كالغضب. حاجبان معقودان، صوتٌ عالٍ، بابٌ يُغلق بقوة. ثم اكتشفت أن أصدق أنواع العتب لا وجه لها أبداً.
هو لا يصرخ. هو يصمت.
قلتُ لك مرة: أوجعتني. فقلتَ: أنا؟ كيف؟ أنا لم أفعل شيئاً. قلتُ: بالضبط. لأنك لم تفعل شيئاً.
وهنا بدأت المشكلة. كيف أشرح لك أن الغياب فعل، وأن الصمت جملة طويلة، وأن عدم السؤال هو سؤالٌ في حد ذاته؟
حاولت أن أحصي عتبي عليك. وضعت أمامي كل المشاهد التي حفظتها الذاكرة. مشهد انتظرتك فيه ولم تأتِ، ومشهد كنتُ فيه بحاجة لكلمة ولم تقلها، ومشهد ضحكتَ فيه مع الجميع ونسيتَ أنني كنتُ أغرق بجانبك بهدوء.
ثم أدركت أن الذاكرة خائنة. هي لا تحفظ الوجع كما حدث، بل كما نريده أن يبقى. تكبر التفاصيل الصغيرة، وتصغر الجراح الكبيرة، ثم تقدم لنا في النهاية صورة مشوشة لا تشبه ما عشناه.
أتعرف ما هو العتب الحقيقي؟
ليس أن أقول لك تأخرت
العتب الحقيقي هو أن أظل أحدّث نفسي طوال الليل بأنك حتماً كنتَ مشغولاً، وأختلق لك الأعذار حتى أصدقها، ثم أعاتب نفسي لأنني عاتبتك في سري.
نحن لا نعاتب من لا يهمنا. نحن نعبر الشارع حين نرى غريباً أخطأ في حقنا. لكننا نقف طويلاً أمام من نحب، نتردد، نبلع الكلمة، ونقول في النهاية “لا بأس”. و “لا بأس” هذه هي أكثر جملة موجعة في اللغة.
سألتني مرة: لماذا لا تقولين ما يزعجك مباشرة؟
أردت أن أقول لك: لأنني لو قلت، سأضطر أن أسمع إجابة قد تقتل ما تبقى. لأنني أخاف أن أعاتبك فتكتشف أن عتابي أكبر من قدرتك على الاحتمال، فترحل. لأنني تعلمت أن بعض القلوب تعامل العتب كاتهام، بينما هو في حقيقته استغاثة. أنا لا أتهمك، أنا أقول لك: بقيتُ وحدي هنا، فهل رأيتني؟
ربما كان العتب أيضاً حمّال أوجه. مرة يأتي في هيئة رسالة طويلة لا نرسلها، ومرة في هيئة “أنا بخير” ونحن لسنا بخير أبداً، ومرة في هيئة ضحكة عالية حتى لا يسمع أحد ارتجاف صوتنا.
فهل حاصرتُ عتبي عليك أخيراً في هذه الكلمات؟ أم أنني ككل مرة، كتبتُ حوله، ولم ألمسه؟
لا شيء يفلت من العتب تماماً، والعكس صحيح أيضاً. كل عتابٍ لم نقله، بقي حياً في مكانٍ ما فينا، ينتظر أن نجد له وجهاً، أو شجاعةً، أو وداعاً يليق به.



