مقالات

من يحيى المعلمي إلى عبدالله المعلمي

8 / 100 نتيجة تحسين محركات البحث

عبدالله آل سالم القحطاني

alamhar@hotmail.com

كان اسم يحيى المعلمي مألوفًا في بيتنا منذ طفولتي، لا لأنني كنت أعرفه معرفة شخصية؛ فقد كنت طفلًا صغيرًا جدًا، وإنما لأن والدي رحمه الله كان صديقًا له خلال سنوات إقامته في الرياض.

وكانت بين الرجلين صداقة وثيقة، وكان يحيى المعلمي كثيرًا ما يأتي إلى والدي في بعض زياراته، برفقة الفريق عبدالله المطلق، رئيس الأركان سابقًا، وكانت بينهما صلة أسرية، إذ كانت زوجتاهما شقيقتين. ومع الأيام امتدت مودة الرجلين إلى الأسرتين، فأصبحت الزيارات متبادلة ومتكررة، وتوطدت العلاقة بين الأسر وازدادت دفئًا مع الأيام.

ثم انتقلنا إلى مدينة أخرى، وتباعدت اللقاءات مع مرور السنوات وانشغال كل أسرة بحياتها. لكن اسم يحيى المعلمي ظل حاضرًا في أحاديث والدي، يذكره دائمًا بتقدير كبير، ويصفه بأنه شديد التواضع، مع قوة الشخصية وتفهّم الآخرين. ولم يكن والدي يتحدث عنه بوصفه شخصية عامة فحسب، وإنما بوصفه صديقًا عاشره وعرفه عن قرب. ومضت السنوات، وتباعدت البيوت، وتغيرت المدن، وبقيت في الذاكرة أصوات الرجال الذين كانوا يلتقون ذات يوم، ثم افترقوا دون أن يعرفوا أن بعض اللقاءات ستكون يومًا آخر ما يبقى منهم.

ولد الفريق يحيى المعلمي عام 1928م في تهامة عسير، وتلقى تعليمه الأول هناك، وكان والده قاضيًا وله قصة تاريخية مشرفة ومعروفة مع الإدريسي أيام حكم الملك عبدالعزيز، انتهت باستشهاده، وربما تحتاج إلى مقال منفرد. ثم انتقل يحيى إلى مكة لمواصلة دراسته، وبدأ مسيرته في العمل الأمني، وتدرج في عدد من المواقع، وعمل في أبها والقنفذة وينبع وشرطة مكة، ثم تولى مواقع قيادية في جهاز الأمن، من أبرزها مدير عام الإدارة العامة للسجون، ومساعد مدير الأمن العام لشؤون العمليات، ورُقّي إلى رتبة فريق.

لكن الأمن لم يكن عالمه الوحيد. فقد كان يحيى المعلمي شاعرًا وأديبًا ولغويًا وباحثًا، وشغوفًا باللغة العربية والدراسات القرآنية، وترك أكثر من خمسة وأربعين مؤلفًا، تنوعت بين الدراسات اللغوية والقرآنية والأمنية والأدبية، وامتدت بعض أعماله إلى لغات أخرى. ومن مؤلفاته «الأمن والمجتمع»، و«مكارم الأخلاق في القرآن الكريم»، و«جولات في رياض الأدب»، و«الشرطة في الأدب والتاريخ»، إلى جانب مؤلفات أخرى في اللغة والقرآن. وكان عضوًا في مجمع اللغة العربية بالقاهرة، بعد أن رشحته مؤلفاته وجهوده في خدمة اللغة العربية، ليجتمع في سيرته رجل الأمن والباحث والأديب واللغوي.

وهكذا اجتمع في يحيى المعلمي ما قد يبدو متباعدًا: رجل الأمن الذي عرفته المؤسسات، والأديب الذي عرفته المجالس والكتب، واللغوي الذي ظل مشغولًا بالعربية وحريصًا على خدمتها. ويصفه ابنه المهندس عبدالله بأنه رجل العلم والفكر والإبداع، وقد نال جائزة التقدير العسكرية من الدرجة الأولى، لجهوده في أعمال الحج، كما نال وسام الملك عبدالعزيز تقديرًا لخدماته، وقد تم تكريمه في مهرجان الجنادرية عام 2000م، وتوفي رحمه الله في العام نفسه، بعد مسيرة ترك فيها أثرًا يتجاوز المناصب التي شغلها إلى الكتب التي تركها واللغة التي خدمها.

أما ابنه المهندس عبدالله المعلمي، المولود في 5 مايو 1952م بمدينة القنفذة، فقد شق طريقًا مختلفًا، وإن ظل قريبًا من عالم المعرفة والكلمة. درس الهندسة الكيميائية في جامعة ولاية أوريغون، ثم حصل على الماجستير في الإدارة من جامعة ستانفورد. كما التحق بعدد من الدورات التدريبية في عدة جامعات عالمية، منها جامعة هارفارد الأمريكية. وهو متزوج ولديه ثلاثة أبناء وبنت واحدة. وقد تقلد رئاسة عدد من مجالس إدارة الشركات وعضوية مجالس عدد من الهيئات الاستشارية، وانتقل من العمل الهندسي والإداري في عدد من الشركات، وآخرها منصب نائب رئيس مجلس إدارة شركة العليان المالية، إلى العمل العام، فكان عضوًا في مجلس الشورى، ثم أمينًا لمحافظة جدة، وسفيرًا للمملكة لدى بلجيكا ولوكسمبورغ والاتحاد الأوروبي، قبل أن يتولى منصب المندوب الدائم للمملكة لدى الأمم المتحدة في نيويورك من عام 2011م حتى عام 2022م.

وقد أسس دار المعلمي للاستشارات بمدينة جدة، وشركة إتش بي جي الاستشارية القابضة في مدينة دبي. ويذكر المهندس عبدالله أنه عندما تم اختياره ليكون عضوًا في مجلس الشورى، قال له الملك سلمان حفظه الله: «يا ليت والدك حي حتى يراك الآن»، يقصد بما حظي به من ثقة ملكية. وعندما تم ترشيحه لأمانة مدينة جدة، قال له الملك عبدالله رحمه الله: «لو لم تكن أمينًا لما وضعناك أمينًا». أما عندما وقع عليه الاختيار ليصبح مندوبًا دائمًا للمملكة لدى الأمم المتحدة، فقد ذهب إلى الأمير سعود الفيصل رحمه الله وطلب توجيهه بما يجب عليه عمله في منصبه الجديد، فأجابه الأمير سعود بهدوء: «أرسل حكيمًا ولا توصه»، بما فيها من اعتراف ضمني بمعادن الرجال.

ولم تبتعد الكلمة عن المهندس عبدالله، كما لم تبتعد عن أبيه. فقد أصدر كتاب «تحت قبة المجلس» و«أفكار للحوار» في أربعة أجزاء، وكتب كتاب «أبكيك يا أبت»؛ وهو الكتاب الذي يأخذ مكانًا خاصًا في هذه الحكاية، ففيه يعود الابن إلى أبيه، لا بوصفه رجلًا عامًا أو قائدًا أمنيًا فحسب، وإنما بوصفه أبًا ترك في حياته أثرًا عميقًا. وقد تم تكريمه وحصل على جائزة الموقف الأدبي من نادي المنطقة الشرقية عام 2025، تقديرًا لمواقفه الأدبية والإنسانية.

ومن بين ما بقي في ذاكرة والدي عن يحيى المعلمي، قصة طريفة عن المهندس عبدالله حين كان طفلًا. ففي إحدى زيارات والدي للفريق يحيى في مكة، كان عبدالله طفلًا صغيرًا يجلس إلى جوار أبيه أمام نافذة في منزله والسيارات تمر في الشارع. وكان يحيى يسأله عن أنواع السيارات واحدة بعد الأخرى، فيجيبه الطفل بسرعة عن نوعها وموديلها، وقد لفتت سرعة بديهته ودقة ملاحظته انتباه والدي، وتعجب من هذه المعرفة المبكرة لدى طفل صغير.

كبر ذلك الطفل وشق طريقه بنفسه، من الهندسة إلى الإدارة والدبلوماسية والكتابة، حتى أصبح واحدًا من الوجوه السعودية البارزة التي لها احترام كبير في المحافل الدولية، وظل قريبًا من الكلمة والثقافة إلى جانب عمله العام.

وفي الأسرة نفسها واصلت الدكتورة آمال بنت يحيى المعلمي حضورها في العمل الدبلوماسي، وتشغل حاليًا منصب سفيرة خادم الحرمين الشريفين لدى كندا، بعد أن سبق لها أن مثلت المملكة سفيرة لدى النرويج، في ثاني منصب دبلوماسي تشغله امرأة في تاريخ المملكة.

وهكذا يبقى يحيى المعلمي في الذاكرة؛ رجلًا جمع بين هيبة المسؤول، ورفق الإنسان، وشغف الأديب باللغة والمعرفة. رحل، وبقيت كتبه وسيرته، وبقيت صورته في ذاكرة من عرفوه، وفي أحاديث أصدقاء فرقت بينهم الأيام ولم تفرّق بينهم المودة.

أما عبدالله المعلمي، فقد مضى في طريق مختلف، من الهندسة إلى الإدارة والدبلوماسية والكتابة، وخاض ميادين السياسة والدبلوماسية، وظل يحمل معه شيئًا من أبيه؛ حب المعرفة، وحضور الكلمة، وهدوء الرجل الذي يعرف قيمة ما يقول.

وبين أبٍ جمع بين السيف والقلم، وابنٍ خاض ميادين السياسة والدبلوماسية ممثلًا وطنه في عواصم العالم، تبقى الحكاية أوسع من سيرة رجلين؛ إنها حكاية أبٍ ترك أثره، وابنٍ مضى في طريقه، وظل يحمل شيئًا من ذلك الأثر معه.

وربما لهذا لا تنتهي حكاية بعض الآباء عند يوم رحيلهم؛ يظلون في أبنائهم، وفي كتبهم، وفي أحاديث أصدقائهم، وفي ذاكرة البيوت التي عرفتهم ذات يوم. يغيبون عن العين، لكن شيئًا منهم يبقى في الحياة، وفي الكلمات، وفي ذاكرة من أحبهم. وربما كان أجمل ما يمكن أن يبقى للإنسان، بعد كل ما يرحل عنه، أن يغيب جسده ولا يغيب أثره.

وفي رثاء والده، يقول المهندس عبدالله المعلمي ضمن مرثية طويلة تعبر عن الحزن والأسى بكلمات مُرّة، عميقة، حزينة، باكية، تفطر القلوب، وتجعل كل من يقرأها يتصور الموقف:

“أبكيك يا أبت.. ومثلك يبكيه الرجال..

أبكيك يا أبت.. يا من حملتني بين ذراعيك مرارًا،

لأحملك على كاهلي مرة واحدة في رحلتك الأبدية

إلى جنة الخلد، إن شاء الله”.

رحم الله الفريق يحيى المعلمي، ومتّع بالصحة والعافية المهندس عبدالله المعلمي.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com