علي الطنطاوي.. صوت سكن القلوب

بقلم: عبدالله آل سالم القحطاني
alamhar@hotmail.com
قبل دقائق من أذان المغرب، كانت مائدة الإفطار قد اكتملت؛ أكواب الماء والمشروبات المثلجة في أماكنها، ورائحة الشوربة والسمبوسة وعبق القهوة يملأ أرجاء المكان، والوجوه تتنقل بين شاشة التلفزيون وعقارب الساعة.
لم تمتد يد إلى الطعام بعد، ولم يكن يُسمع سوى صوت رجل وقور ينساب بهدوء، فتغدو كلماته جزءًا من سكينة تلك اللحظة الرمضانية.
لم يكن يجلس على أحد المقاعد، ولم يكن فردًا من أفراد الأسرة، لكنه كان حاضرًا في بيتنا، كما كان حاضرًا في ملايين البيوت العربية عامًا بعد عام.
كان يسبق أذان المغرب إلى بيوت الناس، لا بقدميه، بل بصوته.
هكذا عرفنا الشيخ علي الطنطاوي؛ لا من صفحات كتبه أولًا، ولا من سيرته الحافلة، بل من ذلك الموعد الذي كان يسبق الإفطار، حتى أصبح صوته جزءًا من ذاكرة رمضان، كما هو صوت المؤذن، وعبق القهوة، ولهفة اللحظات الأخيرة التي تسبق الأذان.
لم ندرك ونحن صغار أن الرجل الذي كنا نصغي إليه كل مساء لم يكن مجرد شيخ يلقي موعظة، بل كان واحدًا من أعظم كتّاب اللغة العربية في القرن العشرين، وقاضيًا، وصحفيًا، وأديبًا، ومربيًا، وصاحب مدرسة خاصة في مخاطبة الناس؛ مدرسة لا تقوم على التخويف، بل على المحبة، ولا على التعقيد، بل على البيان.
وُلد علي الطنطاوي في دمشق عام 1909، في مدينة تضج بالعلم والأدب وكانت يومئذٍ مناراتها العلمية تضاهي مآذنها، وكانت الكتب فيها تُورَّث كما تُورَّث البيوت، وكانت اللغة العربية تُسمع في الأسواق كما تُسمع في حلقات العلم.
وفي ذلك المناخ تشكل وجدانه، في بيت عُرف بالعلم والقضاء، فشب محبا للغة، مولعا بالقراءة، فكأن الكلمة كانت تنتظره قبل أن يتعلمها.
وأصبح قلمه معروفا قبل أن يعرف الناس صوته، وجمع منذ شبابه بين ثقافة الفقيه، وذائقة الأديب، وفضول الصحفي، وهي تركيبة نادرة صنعت شخصيته الفريدة. ولم يكن اختياره للقضاء أو التعليم أو الصحافة محطات متفرقة، بل كانت جميعها طرقًا مختلفة لخدمة رسالة واحدة: أن يقرّب العلم إلى الناس، وأن يجعل اللغة العربية حية في قلوبهم قبل عقولهم.
لم يكن الطنطاوي عالمًا يكتفي بمنبر المسجد، ولا أديبًا ينعزل في مكتبه، بل عاش بين الناس، وكتب لهم وعنهم. وكانت مقالاته تتصدر صفحات أرقى المجلات الأدبية والفكرية في عصره، وفي مقدمتها مجلة الرسالة التي كانت آنذاك مدرسة للأدب العربي الحديث، يكتب فيها كبار الأدباء والمفكرين، والنشر فيها يومئذ شهادة أدبية لا ينالها إلا المتميزون. ولم يكن ظهوره بين تلك الأسماء الكبيرة مصادفة، بل نتيجة قلم امتلك القدرة على الجمع بين متانة اللغة وعذوبة الأسلوب، حتى أصبحت مقالته تقرأ للمتعة كما تقرأ للفائدة، واستطاع أن يثبت أن المقالة ليست استعراضًا للبلاغة، بل جسرا يصل الكاتب بقارئه، وأن اللغة الجميلة هي التي تُفهَم، لا التي تُعقِّد الفهم.
ويقول الطنطاوي عن نفسه في كتابه الذكريات: (إنني اتبعت في الكتابة أسلوبا يكاد يكون جديدا عرف بي وعرفت به ، وما كان لأساتذتي الذين قرأت عليهم ولا في الأدباء الذين قرأت لهم وأفدت منهم من له مثله، حتى أقلده فيه وأتبع أثره، وإن كان فيهم من هو أبلغ مني وأعلى درجة في سلم البيان).
كان سر علي الطنطاوي أنه لم يجعل الناس يشعرون بأنهم يجلسون أمام عالم يعظهم، بل أمام رجل حكيم يحكي لهم ما عرفه من الحياة. كان يروي القصة قبل أن يستخرج منها العبرة، ويبتسم قبل أن ينصح، ويختار من الألفاظ أبسطها وأقربها إلى القلب. ولهذا لم يكن تأثيره وليد ثقافته الواسعة وحدها، بل وليد إنسانيته التي سبقت علمه، وأسلوبه الذي جعل المعرفة ضيفًا خفيفًا على النفوس.
ثم جاءت الإذاعة، وبعدها التلفزيون، ليضيفا إلى حضوره بُعدًا جديدًا. لم يعد الناس يعرفونه من خلال المقال وحده، بل من خلال ذلك الصوت الهادئ، والنبرة الواثقة، والوجه الذي لا يعرف التكلف. وهنا حدث شيء لا تصنعه الشهرة وحدها؛ فقد خرج علي الطنطاوي من حدود الكتاب والمجلة، ودخل البيوت. لم يعد الكاتب الذي يقرأه المثقفون فقط، بل أصبح الرجل الذي يعرفه الأب، وتطمئن إليه الأم، وينصت إليه الأبناء.
كان يطل على الناس بوجه يسبقه إليه التبسم، ثم يأخذهم بهدوء من طرفة خفيفة إلى فكرة عميقة، دون أن يشعروا متى انتقلوا من الابتسام إلى التأمل. ولعل سر علي الطنطاوي أنه لم يكن يتحدث إلى جمهوره، بل إلى كل مستمع على حدة. كنت تشعر، كما شعر ملايين غيرك، أن الرجل يعرف بيتك، ويجلس إلى مائدتك، ويخاطبك أنت، لا جمهورًا مجهولًا خلف الشاشة. وتلك موهبة لا تمنحها البلاغة وحدها، بل الصدق.
ولم يكن الطنطاوي يكتفي بأن يقول الفكرة، بل كان يبحث عن طريقة يجعل الناس يعيشونها. وأذكر تماما أجمل مثال على ذلك ما فعله في إحدى حلقاته التلفزيونية: حيث بدأ البرنامج وألقى تحيته الهادئة السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ثم سكت وساد صمت غريب، كانت عيناه تنتقلان بين ساعته والكاميرا، وكأنهما تنتظران شيئًا لا يعرفه المشاهدون، مرت ثوانٍ، ثم مضت نصف دقيقة، ثم اكتملت دقيقة كاملة، في البيوت، بدأ الناس يتساءلون، هل تعطل الصوت؟ هل حدث خلل في البث؟
لم يكن أحد يدري أن تلك الدقيقة كانت هي الحلقة كلها، وأن الكلام الحقيقي لم يبدأ بعد، رفع رأسه مرة أخرى، وأعاد التحية، ثم قال ما معناه: استغربتم أنني سلمت عليكم ثم تركتكم تنتظرون دقيقة واحدة، وضاقت نفوسكم بهذا الانتظار، فكيف في يوم ينتظر الناس فيه بدء الحساب خمسين ألف سنة؟ لم يحتج بعد ذلك إلى خطبة طويلة. لقد صنع الفكرة أولًا، ثم شرحها، وكانت قد وصلت إلى القلوب قبل أن تصل إلى الآذان.
وإذا كان الناس قد أحبوا صوته، فإن القراء أحبوا قلمه بالقدر نفسه. فمن «رجال من التاريخ» الذي بعث فيه الشخصيات الإسلامية والتاريخية من جديد، إلى «صور وخواطر» التي امتزج فيها الأدب بالتأمل، ومن «تعريف عام بدين الإسلام» الذي قدم الإسلام بلغة رصينة سهلة حتى تُرجم إلى لغات عدة، وصولًا إلى رائعته «ذكريات علي الطنطاوي»؛ ذلك الكتاب الذي لا أراه مذكرات شخصية فحسب، بل سيرةً لمدينة، ووثيقةً لعصر، ولوحةً للحياة العربية في زمنها الجميل. فمن يقرأه لا يشعر أنه يتصفح صفحات، بل يسير إلى جوار صاحبه في أزقة دمشق، ويجلس معه في المدارس والمحاكم والمجالس الأدبية، حتى يصبح الماضي حاضرًا أمام عينيه.
ترك وراءه عشرات الكتب، وقال: إن ما طُبع مما كتب يزيد على ثلاثة عشر ألف صفحة، وإن له أكثر من خمسين كتابًا، بين رسالة صغيرة وكتاب كبير، فضلًا عن أحاديثه الإذاعية التي لم تنقطع منذ أيام محطة الشرق الأدنى في يافا قبل الحرب العالمية الثانية. ومع ذلك، ضاعت مئات المقالات، وغابت كتب من التداول، وبعضها لم يعد يُطبع، ومنها «الهيثميات»، وهو كتاب ارتبط بأمنية شخصية كان يرجو فيها ولدًا يسميه هيثمًا .
ولعل أكثر ما يلفت في شخصية علي الطنطاوي أنه لم يكن عظيمًا في حياته العامة فحسب، بل في بيته أيضًا الذي كان امتدادا طبيعيا لرسالته. فقد رزقه الله خمس بنات: عنان، وبنان، وبيان، وأمان، ويمان. وكان يقول إنه كان يتمنى ولدًا، ثم علّمه الله أن الخير فيما يختاره سبحانه. فأحاط بناته بالحب والتربية والعلم، وشجعهن على القراءة والثقافة، وغرس فيهن الثقة بالنفس، وكان يرى أن التربية ليست فصلا منفصلا من حياة العالم، بل هي أول كتبه، وأول رسالة يكتبها بعمله قبل قلمه. وكان يؤمن أن نجاح الإنسان لا يُقاس بما يقوله على المنابر، بل بما يتركه في أسرته من خلق، وفي أبنائه من أثر. وربما لهذا ظل يُذكر في بيته أبًا حنونًا، كما يُذكر في العالم العربي عالمًا وأديبًا.
ولعل من أجمل ما يكشف فلسفته في التربية ذلك الموقف الذي رواه بنفسه عن ابنته، حيث لم ينظر إلى الحجاب بوصفه قطعة قماش تُفرض على فتاة صغيرة، بل نظر إليه بوصفه قيمة ينبغي أن ترتبط في وجدانها بالكرامة والاعتزاز، ولذلك طلب من زوجته أن تبحث عن أجمل، وأغلى غطاء للرأس تستطيع شراءه، حتى تشعر ابنته أن الحجاب ليس حرمانًا من الجمال، بل صورة أخرى له، وقد ذكر أنه دفع في ذلك مبلغًا كبيرًا من راتبه، لأنه كان يرى أن التربية ليست خطبة تُلقى، وإنما شعور يُبنى. قد يختلف الناس اليوم في الوسائل، لكن الذي لا يختلف عليه اثنان هو أنه كان يفكر بعقل المربي قبل أن يفكر بعقل الواعظ.
غير أن حياة علي الطنطاوي، على ما فيها من نجاح وانتشار، وكما منحته لحظات مضيئة، لم تخف عنه مرارتها والألم. فالرجل الذي كان يزرع الطمأنينة في قلوب الناس، ذاق من مرارة الفقد ما لا يعرفه إلا الآباء. ففي عام 1981 اغتيلت ابنته بنان في مدينة آخن الألمانية، في الحادثة التي استهدفت زوجها الداعية الدكتور عصام العطار. وكان ذلك الجرح من أشد ما مر به في حياته. لم يكثر من الحديث عن مصابه، ولم يجعل حزنه مادة للشكوى، بل حمله بصمت المؤمن، وصبر المحتسب، فأصبحت كلماته عن الرضا بقضاء الله أكثر تأثيرًا، لأنها خرجت من قلب أبٍ مجروح، عرف الابتلاء، فعرف كيف يواسي غيره. لا من قلم واعظ يكتب عن تجربة لم يعشها. ولعل هذا ما منح شخصيته ذلك الصدق الذي أحبه الناس. فقد كان يقول ما يؤمن به، ويعيش ما يقول. ولم يكن بين حياته وكتاباته مسافة، ولذلك بقيت كلماته قريبة من القلوب؛ لأن الناس كانوا يرون فيها صورة صاحبها، لا مجرد أفكاره.
وليس الحنين إلى علي الطنطاوي حنينًا إلى رجل فحسب، بل إلى زمن كانت الكلمة فيه تُوزن قبل أن تُقال، وكانت العربية تُكتب بحب، لا بتكلف، وكان الخلاف يبقى خلافًا في الرأي، لا خصومة في القلوب. كان الناس ينتظرون حديثه كما ينتظرون زيارة صديق قديم، لا لأنهم سيخرجون منه بمعلومة جديدة فقط، بل لأنهم كانوا يخرجون منه بشيء أثمن؛ سكينة في النفس، وثقة بأن الخير ما زال حاضرًا في هذه الدنيا.
وفي صيف عام 1999، أسدل الستار الحزين على حياة امتدت تسعين عامًا، لكنها لم تكن نهاية حضوره. فمنذ ذلك اليوم لم يعد الناس يلتقونه على الشاشة، لكنهم ما زالوا يلتقونه بين دفتي كتاب، أو في تسجيل قديم، أو في ذاكرة بيت عربي ما زال يحتفظ بصوته كما يحتفظ بصورة عزيز رحل منذ زمن.
رحل علي الطنطاوي وقد أثار فقده عند محبيه الحزن الشديد، وما زالت كلماته تذكرنا بأن اللغة الجميلة يمكن أن تكون رحيمة، وأن الدين يمكن أن يُقدَّم بابتسامة، وأن العالم الكبير قد يكون أقرب الناس إلى القلب.
رحل علي الطنطاوي وقد ترك وراءه كتبًا لا تزال تُقرأ، ومقالات لا تزال تُقتبس، وذكريات لا تزال تعيد دمشق إلى الحياة كلما فتح القارئ صفحاتها. ولعل أجمل ما يمكن أن يقال في وداعه أن أثره الأكبر لم يكن كتابًا، ولا برنامجًا، ولا محاضرة أو حياة تروى فقط، بل ترك وراءه حياة تعاش، ويستحق أن تبذل من أجله الدموع، وقد بكى فعلا عليه الجموع. رحم الله الشيخ علي الطنطاوي.



