بطاطا يا بطة

محمد محسن الغامدي
مِمَّا يُمَيِّزُ الأَسْوَاقَ الشَّعْبِيَّةَ فِي مِصْرَ هُوَ نِدَاءُ البَائِعِينَ عَلَى بَضَائِعِهِمْ، وَكَثِيرًا مَا يَمْزِجُونَ النِّدَاءَ بِالنُّكْتَةِ وَالطُّرْفَةِ الَّتِي تُخَفِّفُ مَعَانَاةَ المُتَسَوِّقِ أَوِ المُتَسَوِّقَةِ، وَتُنْسِيهِ حَرَارَةَ الصَّيْفِ اللَّافِحَ أَوْ بُرُودَةَ الشِّتَاءِ القَارِسِ.
حَمْدِي، بَائِعُ البَطَاطِسِ، كَانَ يُنَادِي: “يَا بَطَّة، يَا بَطَاطَا!”، بَيْنَمَا كَانَتِ الفَتَاةُ الصَّغِيرَةُ ذَاتُ الأَرْبَعِ أَعْوَامٍ تَسِيرُ مُمْسِكَةً بِيَدِ وَالِدَتِهَا لِتَمُرَّ بِصُعُوبَةٍ مِنْ بَيْنِ العَرَبَاتِ وَالخُضَارِ المُكَدَّسَةِ فِي السُّوقِ.
كَانَتِ الأُمُّ تُسَمِّي ابْنَتَهَا “بَطَّة”، وَهُوَ اسْمُ دَلَالٍ مَجْزُوءٌ مِنْ بَعْضِ حُرُوفِ اسْمِهَا الحَقِيقِيِّ. فَإِذَا مَرَّتْ مِنْ أَمَامِ بَائِعِ البَطَاطَا، تَقِفُ لِتُلَوِّحَ لَهُ وَتُحَيِّيهِ كُلَّ يَوْمٍ، فَيَرُدُّ التَّحِيَّةَ وَيَرْفَعُ الصَّغِيرَةَ عَالِيًا فِي الهَوَاءِ، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِاسْمِ “بَطَّة” الَّذِي تُنَادَى بِهِ الصَّغِيرَةُ فِي بَيْتِهِمْ.
ثُمَّ يَصِيحُ بِبَائِعَةِ الفَرَاخِ فِي دُكَّانِهَا المُجَاوِرِ لَهُ: “اِدْبَحِي بَطَّة يَا أُمَّ إِمَام!”.
وَهُنَا تَصِيحُ الصَّغِيرَةُ وَتَنْهَمِرُ دُمُوعُهَا وَهِيَ مُعَلَّقَةٌ فِي الهَوَاءِ بِيَدِ البَائِعِ، وَهُوَ لَا يَعْرِفُ سَبَبًا لِذَلِكَ.
وَبَعْدَ أُسْبُوعٍ يَتَكَرَّرُ نَفْسُ السِّينَارْيُو مَعَ “بَطَّة” جَدِيدَةٍ وَمُشْتَرٍ جَدِيدٍ. بَعْدَهَا، كَانَتِ الصَّغِيرَةُ تَرْفُضُ النُّزُولَ إِلَى سُوقِ الخُضَارِ أَسْفَلَ مَقَرِّ سَكَنِهَا.
وَبَعْدَ إِلْحَاحٍ وَمُحَايَلَةٍ مِنْ أُمِّهَا، عَرَفَتْ أَنَّهَا لَا تُرِيدُ أَنْ تُذْبَحَ عَلَى يَدِ أُمِّ إِمَام!



